لم يعد واجب
العزاء زيارة آلية في الإمارات، لكنه أصبح واحدة من قيم المجتمع التي أعطاها
الشهداء نكهة الحزن مع الأخلاق وحب الوطن.
القيادة في
المقدمة، والناس تراقب، وتتعلم، وتتشجع، وتأخذ الخطوة الثانية، وعندما جعل حُكَّام
الإمارات الزيارات للعزاء تبدو كأنها عائلية، وتولَّت وسائل الإعلام نقل مشاهد
عاطفية جميلة لتثبيت العلاقة المتينة والصحية بين الحُكام والشعب، بين القيادات والعائلة
التي ضحى أبناؤها من أجل الوطن، بدأ العزاء يأخذ الصورة الجديدة المرتبطة في الذهن
بالوطن.
لم يعد العزاء
في ابنٍ رحَل عن الدنيا، لكن في ابنٍ حيّ
يُرزَق عند ربه.
كل الأشياء
تنتقل بالعدوى أو بالتعليم أو بالتوجيهات، لكن واجب العزاء في الإمارات أضحىَ سمة
مميزة للحياة فيها، فليست هناك توجيهات وأوامر وسًلطة، وليست هناك رسميات تخضع
للشكل العام في الدولة، إنما هي علاقات مواطنية من نوع جديد.
إذا تأمَّلتَ
في أحد الحكام أو أحد أبنائهم وهو يدخل مجلس العزاء، ويصافح، ويعانق، ويجلس منصتاً
كأنه هو الذي فقد الابن وليس أصحاب مجلس العزاء، فستجد أن الحزن ليس صناعة، إنما مشاعر
تتدفق حانية، تربت على الكتف، وتمسك اليدين، وتقترب من صاحب العزاء لا لتشفق عليه،
ولكن لتتعاطف معه، فهناك تعبيرات أكبر من الدموع.
الإمارات لا تُسرع
وتلهث وتجري في إتجاه واحد نحو نهضة مباركة، مادية وفكرية وثقافية وعلمية، فقط، لكنها
تلمس كل جوانب الحياة غير المرئية، ومنها الأحزان والآلام والفراق والجنازات.
إذا أردت أن
تعرف سلامة الطريق إلى وحدة التراب مع وحدة الآلام، فراقب تفاصيل الحزن، وتأمل
وجوه الحُكام وهم يدخلون في كل مجلس عزاء، وحاول أن تفصل بينهم وبين أبناء الشعب
فلن تستطيع!
حكام الإمارات
لا يدخلون ويخرجون من مجلس العزاء كأنهم في عجلة من أمرهم، إنما يمكثون الوقت
الكافي للحديث، والاستماع، والتحدث عن الفقيد فهم يعرفون أن المجاملات السريعة لا
تدخل القلب.
الرائع في
الإمارات أن أبناء الحكام يمارسون نفس الدور! شباب تعلـَّـموا الخُلق الرفيع في
مدرسة الشيخ زايد، رحمه الله، يدخلون مجلس العزاء كالكبار تماماً، ويقومون بأدوار ناضجة،
ويضاعفون من أهمية العلاقات الاجتماعية الشبابية في الوطن.
إنها الإمارات
الجديدة التي لا تغادر صغيرة أو كبيرة، والتي يبدأ فيها القائدُ الخطوة الأولى، ثم
يتعلم الآخرون منه، لا من توجيهات وأوامره، خاصة في الحزن العام و.. الوطني.
العائلات التي
تفقد أحدَ أبنائها في الإمارات لم تعد بحاجة إلى اثبات أن ابنها شهيد معارك الوطن
حتى تحصل على شرف العزاء من قادة الدولة، فكل فقيد شهيد الوطن ولو لم يسقط في
معركة، وكل راحل يستحق دمعة حزن من الحكام بغض النظر عن المكان الذي قام منه
بتوديع أهله.
محمد عبد
المجيد
رئيس تحرير
مجلة طائر الشمال
أوسلو في 18
فبراير 2016
Taeralshmal@gmail.com
