الشيخ راشد بن محمد بن راشد رحل بعدما ترك خلفه أربعة وثلاثين عاماً عاشها في كنف أسرة تحقق النجاح تلو الآخر، ووالد ما يزال يبدأ صباحه وينهي مساءه في تقديم التعازي لشهداء الإمارات من شبابها الأبرار.
أحلام الابن يتقاسمها أحيانا مع والده، وبعضها يحتفظ بها لنفسه، سواء كانت خاصة أو عائلية أو وطنية، وفي هذا العُمر بالذات تتلاصق أحلام الاثنين فكأنها التجديد الثاني لمشاعر الأبوة، والعودة الجديدة لمشاعر البنوة.
مسحة حزن صبغت وجه الشيخ محمد بن راشد آل المكتوم في الأسابيع الماضية عندما تعامل مع أسرة كل شهيد على أنه أيضا ابنه، ثم وصلت صبغة الحزن مداها عندما شاءت إرادة الله أن ينتقل الشيخ راشد إلى الرفيق الأعلى لعله يلتقي بأقرانه في جنة الخُلد، ولكن هل بقيت دموع في مآقي حاكم دبي بعدما سقطت مدراراً على أبنائه الآخرين في خط الدفاع الوطني الخارجي.
دموع الأب لا تنفد ولو جفت، ودموع الداخل أكثر غزارة من تلك التي يراها الناس، فإذا أضفنا من بواعث الهموم ما يشاركه الأب مع العائلة والأبناء والأعمام والأخوال وأصدقاء الشاب الراحل، رحمه الله، فلا يتبقى غير الحزن الجمعي غير المرئي ولو نُكست الأعلام ثلاثة ايام.
عندما يتوفى الله الابن يظل الأب يستعرض صورته في كل لحظة تبدأ بقطع حبل السُرة، عندما يرى نفسه في وجه ابنه، إلى يوم رحيله ، وللابتسامة وساعات الفرح النصيب الأكبر من الذكريات.
هنا تظهر قوة الإيمان بقضاء الله وقدره والتي تتمثل في الشكر قبل التسليم، وأتذكر حديثا لأم نرويجية فقدت طفلها ذا الأسابيع الستة عندما جرفه الإعصار عام 2004 في تايلاند، وابتلعه البحر فقالت بأنها تشكر الله أن أعطاها طفلا لأقل من شهرين مليئتين بالسعادة والهناء، وستعيش ما بقي لها من عُمر تسترجع لحظات الفرح بدون توقف. هنا تحول الحزن إلى شكر العلي القدير على تلك النعمة التي استردها بعد ستة أسابيع.
أقدم خالص التعازي للأب في ابنه الراحل، رحمه الله، وأطلب من سموه أن يشكر الله، تعالى، أن أمتعه وأسعده وأثلج صدره وحقق كثيرا من أحلامه وملأ حياته بهجة لمدة أربعة وثلاثين عاماً هي الفترة المسموح له، سماوياً، باحتضان ابنه، والتأمل في وجهه، والابتهاج بابتسامته، وبعد ذلك استرد العزيز الوهاب وديعته.
رحم الله الشيخ راشد بن محمد بن راشد وأسكنه فسيح جناته مع الصّديقين والشهداء وحسُن أولئك رفيقاً.
خالص عزائي لعائلة المكتوم في فقيدهم الشاب.
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 19 سبتمبر 2015
