السبت، 19 سبتمبر 2015

لا أحد يرحل قبل الموعد، ولكن الحزنَ يبقىَ!



الشيخ راشد بن محمد بن راشد رحل بعدما ترك خلفه أربعة وثلاثين عاماً عاشها في كنف أسرة تحقق النجاح تلو الآخر، ووالد ما يزال يبدأ صباحه وينهي مساءه في تقديم التعازي لشهداء الإمارات من شبابها الأبرار.
أحلام الابن يتقاسمها أحيانا مع والده، وبعضها يحتفظ بها لنفسه، سواء كانت خاصة أو عائلية أو وطنية، وفي هذا العُمر بالذات تتلاصق أحلام الاثنين فكأنها التجديد الثاني لمشاعر الأبوة، والعودة الجديدة لمشاعر البنوة.
مسحة حزن صبغت وجه الشيخ محمد بن راشد آل المكتوم في الأسابيع الماضية عندما تعامل مع أسرة كل شهيد على أنه أيضا ابنه، ثم وصلت صبغة الحزن مداها عندما شاءت إرادة الله أن ينتقل الشيخ راشد إلى الرفيق الأعلى لعله يلتقي بأقرانه في جنة الخُلد، ولكن هل بقيت دموع في مآقي حاكم دبي بعدما سقطت مدراراً على أبنائه الآخرين في خط الدفاع الوطني الخارجي.
دموع الأب لا تنفد ولو جفت، ودموع الداخل أكثر غزارة من تلك التي يراها الناس، فإذا أضفنا من بواعث الهموم ما يشاركه الأب مع العائلة والأبناء والأعمام والأخوال وأصدقاء الشاب الراحل، رحمه الله، فلا يتبقى غير الحزن الجمعي غير المرئي ولو نُكست الأعلام ثلاثة ايام.
عندما يتوفى الله الابن يظل الأب يستعرض صورته في كل لحظة تبدأ بقطع حبل السُرة، عندما يرى نفسه في وجه ابنه، إلى يوم رحيله ، وللابتسامة وساعات الفرح النصيب الأكبر من الذكريات.
هنا تظهر قوة الإيمان بقضاء الله وقدره والتي تتمثل في الشكر قبل التسليم، وأتذكر حديثا لأم نرويجية فقدت طفلها ذا الأسابيع الستة عندما جرفه الإعصار عام 2004 في تايلاند، وابتلعه البحر فقالت بأنها تشكر الله أن أعطاها طفلا لأقل من شهرين مليئتين بالسعادة والهناء، وستعيش ما بقي لها من عُمر تسترجع لحظات الفرح بدون توقف. هنا تحول الحزن إلى شكر العلي القدير على تلك النعمة التي استردها بعد ستة أسابيع.
أقدم خالص التعازي للأب في ابنه الراحل، رحمه الله، وأطلب من سموه أن يشكر الله، تعالى، أن أمتعه وأسعده وأثلج صدره وحقق كثيرا من أحلامه وملأ حياته بهجة لمدة أربعة وثلاثين عاماً هي الفترة المسموح له، سماوياً، باحتضان ابنه، والتأمل في وجهه، والابتهاج بابتسامته، وبعد ذلك استرد العزيز الوهاب وديعته.
رحم الله الشيخ راشد بن محمد بن راشد وأسكنه فسيح جناته مع الصّديقين والشهداء وحسُن أولئك رفيقاً.
خالص عزائي لعائلة المكتوم في فقيدهم الشاب.
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 19 سبتمبر 2015




الجمعة، 18 سبتمبر 2015

وافدون في جبهة القتال.. حق أَمْ واجب؟


وافدون في جبهة القتال.. حق أمْ واجب؟

رغم أنني لا أحب كثيراً تعبير ( وافد ) فهو يحمل معانٍ غير ودية، إلا أن الحقيقة أن استبدال هذه الكلمة يمر عبر طريق طويل من الانضواء تحت راية الوطن الجديد!
دولة الإمارات في حالة حرب مع الحوثيين وقوى الظلم للديكتاتور المخلوع علي عبد الله صالح والأصابع الخفية والظاهرة لملالي إيران، وفقدت شهداء، وتضاعف عددهم وفقا لعدد السكان فالصين إذا فقدت مئة ألف كالإمارات إذا استشهد منها بضع عشرات من أبنائها!
والإمارات كانت سخية منذ تأسيسها، ففتحت أبوابها لعرب وأجانب وآسيويين وجيران، وتسامحت معهم حتى على حساب لغة الوطن فتركتهم يحتفظون بثقافتهم ولغاتهم، بل إنهم أحيانا ينقلون معهم وطنهم الأم في حلهم وترحالهم.
ولم تجبر أياً منهم على الدراسة اللغوية وتعلم تقاليد وأعراف أهل البلد، ولكن ماذا عن العامل الأجنبي المقيم بالدولة والذي لا يعرف غيرها وطنا له، وإذا عاد هو وأولاده فإنهم غرباء في الوطن الأم، وافدون في الوطن المضيف؟
ماذا إذا أراد ابن أحدهم الذي سقط من بطن أمه في واحدة من الإمارات السبع أن ينخرط في الدفاع عن وطن لا يعرف غيره، ورغب أن يضحى بدمائه من أجل الإمارات، وكان يملك كفاءات قتالية تجعله مكسباً للقوات المسلحة الإماراتية، وكانت صحيفة الحالة الجنائية له تثبت أنها صفحة بيضاء ناصعة، ليس فيها شائبة من غير دم الولاء، فهل يُسمح له بالانخراط في الجيش، أم يظل يحلم بالدفاع عنه؟
بعض المقيمين في الإمارات من غير أهلها أكثر التصاقاً بترابها وروحها من أهلها، وساهموا هم وآباؤهم في نهضة الدولة ، وتشربوا تعاليم الشيخ زايد، تغمده الله بواسع رحمته، فكيف ننكر عليهم حق الشهادة؟
أنا أقترح إنشاء لجنة من كبار رجال الأمن والجيش والتعليم والثقافة لتقوم بعمل تصفية وغربلة على كل المستويات ثم تختار من تراه إذا دافع عن الوطن لا تعرف الفارق بينه وبين الإماراتي، وأن يحصل في حالة تجنيده لعامين على الجنسية الإماراتية، وإذا استشهد فينتهي تجديد الإقامة لأسرته لتصبح إقامة دائمة كأنها توأم الجنسية.
هناك مقيمون مضى عليهم العمر كله أو أقل قليلا، وإذا سألتهم عن وطنهم الأم لا يستطيعون الإجابة، فالوطن الجديد يمكن أن يصبح حالة حب تجعل كل الأماكن الأخرى تتراجع إلى ذيل الذاكرة.
ينبغي أن يُعطوا الفرصة لاثبات الولاء، وأن يمارسوا حقهم في الدفاع عن وطنهم الجديد ليصبح وطن المستقبل لهم ولأجيالهم من بعدهم، والآن هناك مساحة كبيرة من الاختبار ، فإذا كانت الشكوك تراوح مكانها، فليكن بعد انتهاء الحرب، لتصبح الجندية البديلة في اليمن أو في غيرها شريطة أن تكون النفقات من الإمارات، والتعامل معهم على قدم المساواة مع الإماراتيين بالأصل.
المقيم يمارس حقاً أو واجباً، لكن ترك الإماراتيين فقط في ساحة القتال دون إخوانهم المقيمين الجدد فيه ظلم شديد للاثنين معا: الإماراتي وما يُطلق عليه الوافد.
لا يستطيع أحد أن يقوم بقياس درجة الحب والولاء والوفاء والأمانة والشرف حتى يعرف من الأكثر إماراتية من الآخرين!
إن أجهزة الأمن الإماراتية متيقظة تماماً، ولا يغيب عن عيونها مقيم ولاؤه أضعف من رغبته في جمع المال وتحويله وإرساله، لذا لن يكون الأمر عصياً عليها إذا بدأت في اختيار جيش صغير يكون عوناً لجيش الدولة.
الشهادة في حب الإمارات يجب أن لا تكون من حق وواجب الإماراتي فقط، والنهضة المباركة ساهم فيها الاثنان بنفس القدر: ابن الأرض وابن الخارج!
امنحوا الفرصة لمن أراد أن يحمل لقب جندي أو شهيد ولو لم يولد على أرض الإمارات.
لو كان سمو الشيخ زايد، رحمه الله، بيننا الآن، لاستحسن الفكرة، وفتح لهم باب الجندية فدماء الشهداء تصبح أطهر إذا اختلطت ببعضها!
كم مقيم في الإمارات تسقط الدموع الآن من عينيه لأنه يريد أن يشارك في الجبهة لحماية دولة احتضنته ورحبت بوالديه ونهل من خيراتها ودرس فيها وأحب وصادق وسجد لله على أرضها!
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 18 سبتمبر 2015

 

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

الأذن تعشق قبل العين أحياناً .. إذاعة الشارقة!


الأذن تعشق قبل العين أحياناً .. إذاعة الشارقة!
 
منذ سنوات كنت أسافر إلى دولة قطر وذهني مشغول في كل زيارة بما أعده لي وكيل وزارة الإعلام المساعد لشؤون الإذاعة والتلفزيون عبد الرحمن سيف المعضادي، رحمه الله، فقد كانت لديه مكتبة صوتية نادرة تجعل المرءَ إذا خُير بين عينيه وأذنيه فإنه لا يتردد في اختيار حاسة السمع قبل كل الحواس الأخرى!
يستقبلني بابتسامة جميلة ودافئة، وأنا متلهف لصوتياته فيضع أمامي كاستات، مثلا، محاكمات المهداوي في العراق، وتسجيل القرآن الكريم بصوت أم كلثوم وغيرها الكثير، بعدها أشعر أن زيارتي لـ ( قطر) حققت نجاحا كبيراً أهم من لقاءات مسؤولين كبار!
الذين تخطــَـوا من العُمر نصف القرن تلقوا تربيتهم في مدرسة الإذاعة، وتخصبت خيالاتهم وهم يضعون آذانهم بالقرب من المذياع تاركين للخيال مهمة السباحة في رسم الصور والأشخاص والمناظر الطبيعية والحب والغزل والمعارك والغضب، وحتى الدين يُعيدون تفسيره بعيداً عن وجوه الدعاة والشيوخ.
إذاعة الشارقة تحتفل بعيد ميلادها الثالث والأربعين وتجدد حفاوتها بتاريخ جميل ورائع وتربوي وفني كما أكد الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للإعلام، وأن سحر الإذاعة وتأثيرها وقدرتها على جعل المتلقي يصنع الصورة في داخل النفس المتأثرة لتعيش معه كما رسمها وليس كما بثها التلفزيون.
حتى أول كلمات عبر الأثير كانت في 31 أغسطس 1974 إذا استعدتها يقشعر جسدك جمالا ورهبة، فالنوستالجيا صوتية أيضا، وهذا كان يوما مشهودا شهد له الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلىَ حاكم الشارقة الذي افتتح الإذاعة، واستمعت الدولة كلها إلى ( إذاعة الإمارات العربية المتحدة من الشارقة ).
أتذكر كأنه بالأمس يوم أن افتتحت ( إذاعة صوت العرب من أوسلو على الموجة إف إم 103,9 ) في منتصف يونيو عام 1987 وظللنا صديقي العراقي وأنا نذيع الأخبار إلى أن اختلفنا إثر الغزو العراقي للكويت، ووقفت أنا بجانب الكويت، وتعاطف هو مع صدام حسين وقال لي: هذا جنوبنا وقد عاد إلينا! أغلقتُ الإذاعة في 3 سبتمبر 1990 وفي نفسي حزن شديد، ولم أستعدها مرة أخرى!
إذاعة الشارقة تاريخ، ورمز لنجاح إتحاد، وتربيةُ أجيال هذبت الصوتيات آذانها وألسنتها، وهي تلعب دورها حتى الآن بقوة لا تقل عن التلفزيون، رغم أن مستمعيها يقاومون إغراء الصورة والتقارير التلفزيونية والحوادث فضلا عن دخول الإنترنيت في صف الفضائيات.
الإذاعة هي الوقار، والرزانة، وكثيراً هي الرشد والنضوج!
الإذاعة تشبه رجلا يرتدي أجمل ما لديه، ويتعطر بريحان ومسك وعنبر، لكنك لا تراه لأنه يخاطب روحك عن طريق أذنيك، أما التلفزيون فقد لا تكترث لنصف ما يبثه لأنَّ المــُــطـِّـلين عليك من شاشته شغلوك بهيئتهم واكسسواراتهم وساعاتهم الذهبية وضيوفهم المتأنقين كأعمدة كهرباء صلبة تتحرك أعلاها أنوار كاشفة، تضيء لك لكنها لا تخاطبك!
إذا أحببت بقصيدة شعرية فعليك بالإذاعة لأنها تخترق شغاف القلب، أما التلفزيون فيسرق نصف أبيات القصيدة لصالح من يجلسون في الاستديو!
وإذاعة الشارق تتجدد بفضل اهتمام الشيخ سلطان بن محمد القاسمي فقد تبناها، وأحبها، وتغزل فيها، وعانقها، وجدد شبابها في 15 نوفمبر عام 2000، بل وأعطى توجيهاته لوضع عشرات البرامج التي تناسب مستمعين يحاط بآذانهم وأعينهم من التلفزيون والإنترنيت والآي فون والآي باد، لكن حاكم الشارقة يتعامل مع الإذاعة كأنها جاءت لتوها من الزمن الجميل وتنتظر بصماته عليها.
وجاءت بصماته بعد تخطيط ودراسة مع الأخذ بعين الاعتبار المنافسات الصورية، التلفزيون والانترنيت، لكن أصالة الإذاعة تبقى من أصالة مؤسسها وراعيها وعاشقها، فتحرك 24 برنامجاً إبداعيا ومميزاً ليتصدرالمشهد الثقافي الشارقي فيضيف للدولة بُعداً جديداً، قد أشار إليه سمو الشيخ زايد، رحمه الله، عندما جعل هذه الكلمة، أي الأصالة، مرادفة للتطور و.. ليس للثبات والسكون!
عبقرية الإتحاد هي الجمع المتوازن بين كل إمارة والدولة، فهي حالة إلتصاق حر، ورباط مقدس لكنه يتحرك في الإطار المرسوم له وحدوياً، وكل أصالة لأي واحدة من الإمارات السبع تعود إليها وإلى الإتحاد بنفس القــَــدْر و .. وعين الهوية وذات الدولة.
إذاعة الشارقة مدرسة في ثقافة الأذن، وبصمات الشيخ سلطان بن محمد القاسمي تنطق، وتبدع على أثيرها منذ ولادتها حتى الآن .. مع عيدها الثالث والأربعين!
 
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 15 سبتمبر 2015


الاثنين، 14 سبتمبر 2015

شارع لكل شهيد!

شارع لكل شهيد!
لا يكفي أن يحصل اسم الشهيد على مكرمة من الدولة، أوتتلقى أسرته دعماً مالياً، أو يعالج اخوته مجانا، رغم أن كل هذا رائع بالمقاييس الإنسانية و.. المعايير الوطنية.
من حق الشهيد الإماراتي أن يكون هناك شارع باسمه، يُذكــَّــر الناسَ بما قــَــدَم، ويكون موضع فخر، ليس فقط إعلامياً أو عسكرياً، فأنا أرى أن فخر أحبابه وأقاربه واخوته وأبنائهم في المستقبل كلما ساروا في شارع يحمل اسمه، اهتزت له الأفئدة، وغمرت الصدورَ مشاعرُ مبهجة حزينة تنتهي بالفخر، وأيضا بالشكر لوطن خلــَّــد اسمَ شهيدهم!
ما أجمل أن يقول طفل في المستقبل لأقرانه مشيراً إلى الشارع: هذا شارع باسم عمي أو خالي الذي جاد بروحه الطاهرة من أجل الوطن.
كل المكرمات قابلة للنسيان على مدى الزمن الطويل، إلا تخليد الاسم في شارع ليصبح الراحلُ مع أبناء شعبه، فنسيان الشهيد شبيه بتمزيق عــَــلــَــم، ومهمة الدولة بعدما تستتب الأمور، وتجف الدموع، وتخفت الذكريات، وتبهت الصورة، أنْ تطارد أسماء شوارعها خيالات أبناء المستقبل لترفع الروح المعنوية، وتضيف إلى مآثر الفخر جدرانا وأرضا ودياراً فتستعيد الماضي من أجل المستقبل.
إن شارعاً باسم الشهيد أقل واجب تقوم به الدولة لمن لبــَـىَ نداء الوطن في الدفاع عنه سواء كان العدو في الخارج أو في الداخل.
شارع لكل شهيد فهو أغلى وأهم من أسماء الكبار والزعماء والشعراء والأدباء والفنانين ورجال الدين، لأن بعض كبارنا لا يقدمون أرواحهم بفرحة المُلاقي ربه والمغادر أحبابه.
شارع لكل شهيد ( مع افتراض أنه لم يسبقني أحد في طرح هذا الاقتراح)، يحيل الحزن قطعة حيــَّــة فيخيل إليك أن البطل يسكن هذا الشارع، ويتمشى الهوينا بعد العشاء وقبل الفجر، وقد تلمحه نهاراً، وتشم رائحته، وتبتهج بابتسامته التي تركتنا وهو في العشرين من عُمره.
شارع لكل شهيد اقتراح أقدّمه بخجل شديد كأنني أمنح من بكى الوطن كله عليه، فتلقى مني دمعة تتردد في السقوط!
شارع لكل شهيد يجعلني شبه واثق أن الملائكة ستمر أيضا فيه، فعطرُ الجنة يفوح من بين جنباته قادماً من أحباب وأقارب وأمهات وآباء وأشقاء وشقيقات يخجلون من القول بأن الوطن مدين لهم كما كانوا في حياتهم مدينين له.
حُكام الدولة الكرام يواصلون زياراتهم لأهالي الشهداء، وتسبقهم دموعهم فلم نعرف من هو الضيف ومن هو المضيف في ديار الحزن الجميل، فتأتي بإذن الله التوجيهات، كل واحدة تسابق الأخرى، لتحقيق حلم اسم شارع لكل شهيد.
اسم شهيد فوق مقبرة طاهرة يقوم بزيارتها الأحباب بين ألفينة والأخرى، لاحقاً، ليس أقل أهمية من اسمه، رحمه الله، على ناصية شارع يصبح في المستقبل على كل لسان.
إنه اقتراح مُحب لهذا البلد الطيب، ولا أخفي يقيني أنه سيخرج للنور قريباً لثقتي التامة بأن حُكام الإمارات هم أيضا أهل الشهيد.
 
محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو في 14 سبتمبر 2015



الأحد، 13 سبتمبر 2015

الإمارات وسلطنة عُمان .. الإتحاد غير المرئي!


الإمارات وسلطنة عُمان .. الإتحاد غير المرئي!
الإتحاد بين دولتين ليس فقط بيانات رسمية ورفع الأعلام والحديث اليومي عن الأشقاء في الجانب الآخر، ولكن هناك إتحاد أعمق وأرسخ لا يراه العابرون ولا يلفت نظر المانشتيين ( المانشتي هو الذي يبني معلوماته على العنوان العريض لأي وسيلة إخبارية)!
الإتحاد الخفي وحدة بين شعبين تجعلك تدلف من مكان إلى آخر، لكنك لا تبرح مكانك.
الإتحاد الخفي حالة من التعاطف والانجذاب والمحبة يصبح بها الشيء الغريب أن تتحدث عن الآخر وكأنه هناك وليس في المشاعر والأحاسيس والألفة الوطنية والهوية غير المكتوبة!
لا تندهش إذا قرأت أن دولة الإمارات أقامت خياماً على الحدود مع السعودية لتكون في خدمة العُمانيين، حجاجا أو عالقين أو منتظرين، ومع ذلك فلا يمــُـنّ الإماراتيون على أشقائهم بأقل صور التفاضل فهي تجرح الإتحاد غيرالمرئي بين شعبين .
قال لي مضيف عُماني في إحدى زياراتي لمسقط بأن شقيقه الذي خدم في جيش الإمارات لم يكن يعرف، حقيقة وليس مجازاً، أنه جيش دولة أخرى، فهو هنا أو هناك في حالة واحدة تغمرها مشاعر الوطنية ، فخدمة العــَــلـــَـم حالة عشق وحدوي لمكانين في وقت واحد!
لو طلب جلالة السلطان قابوس بن سعيد أو صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد من نظيره توقيع معاهدة وحدوية لتعجب الآخر قائلا: لكننا فعلا وواقعا وحقيقة في إتحاد عُماني/إماراتي غير معلن رسمياً!
من المؤكد أن هناك أسباباً كثيرة تفسر أبعاد هذا الإتحاد غير المرئي أو غير المعلن وأهمها نجاح الدولتين في إقصاء الطائفية وإبعادها عن الهموم الحياتية اليومية للمواطن هنا و .. هناك!
قال لي وكيل وزارة عُماني بأنه يقود سيارته مع أسرته ولا يشعر أنه دخل الحدود مع دولة الإمارات تماما كما يدخل إسباني البرتغال أو يعبر ألماني إلى لوكسمبورج أو فرنسي يتناول غداءه في فنتميليا الإيطالية على الحدود!
في مهرجان صلالة الخريفي السنوي يأتي الإماراتيون بعائلاتهم وأطفالهم كأنه مهرجان داخل الإمارات، ويسقط رذاد المطر الخفيف يدغدغ بمتعة شديدة وجوه سمراء لوحتها شمس أبو ظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة، ولا يعرف الأطفال الإماراتيون أنهم في بلد آخر!
أحيانا تتوجه الحكمة القيادية إلى المنطقة الأهم حسبما ترى رؤية القائد، فالشيخ زايد، رحمه الله، كان يرى الضرورة القصوى في جعل الشارقي أو الدبياني يشعر أنه إماراتي أولا، وتحققت الرؤية مطابقة لحلم المؤسس الراحل، تغمده الله بواسع رحمته.
وكانت رؤية السلطان قابوس، شفاه الله وأطال عُمره، تتوجه إلى الإلغاء التام لكل صور التمذهب والطائفية والفروقات العقيدية من جذورها، فتحولت سلطنة عُمان إلى واحة السلام الديني، فإذا زرتها وصليت في مساجدها لا تشعر بأن يركع بجوارك أمام الله سني أو إباضي أو ينتمي لأي مذهب آخر.
السلطان قابوس ضم المعارضين في أوائل السبعينيات إلى السلطنة، بل إلى الحُكم وأهم وزرائه كانوا على الجانب المقابل في ظفار، فغرس الوطن مكان السلاح. والشيخ زايد جعل الحكام السبعة في هوية واحدة، لكنه لم ينتقص من قدْر أي حاكم مقابل الآخر، فالفجيرة مثل دبي، وأبو ظبي تكبير لعجمان.
الوحدة بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة قائمة بغير بيان رسمي والإمارات امتداد لسلطنة عُمان، وسلطنة عُمان إمارة ثامنة لأنجح مشروع وحدوي عربي في التاريخ الحديث.
لذا فإن شركات السياحة عندما مدت أجنحة طيرانها من الشمال الأوروبي لم تجد خيراً من جعل زائريها وسائحيها يشعرون أن المحطة الأخيرة بعد دبي هي مسقط، وأن التسوق في العاصمة الإماراتية الثانية لا يكتمل إلا بزيارة قلاع مسقط و.. نزوى.
وحرب اليمن لا يمكن أن تُفرق بين الدولتين، إنما تحتاج لرؤية استراتيجية ذكية تدخل من شعاب التاريخ وتمر عبر الجيران وتتفهم العلاقات بين كل واحدة من الدولتين وجيرانها، وتعرف أن هناك ضغوطات في الخليج وتشابكات في المصالح وقوىَ كبرىَ في المياه الدافئة تنظر بعين الريبة والشك ولو اتسعت ابتسامتها، فأحلام الكبار في حدود الجيران الأصغر لا تختفي، إنما تتخفىَ ولو طالت من طنب الصغرىَ إلى الصحراء المترامية الأطراف، ومن سد مأرب إلى جزيرة حنيش، فعبقرية القيادات الإمارتية والعــُــمانية هي في إبعاد شبح الدولتين عن خيالات كثيرة تظنها الكعكة الكبرى.
لا أظن أن سلطنة عُمان ودولة الإمارات ابتعدتا عن بعضهما قيد شعرة، والإماراتي الذي لا تهفو نفسه لذِكــْــر عُمان، كالعُماني الذي لا يهتز صدره فرحاً بكل نجاح إماراتي، كل منهما غريب عن بلده، أقصد الإتحاد غير المرئي!
أبشر الصائدين في المياه الداكنة أن الرباط بين الدولتين لا ينقطع، وأن الحيتان المذهبية لا تفترس من يسبح على شاطيء إماراتي أو عُماني ، وأن الإتحاد غير المرئي أقوى وأمتن وأعمق من مياه الخليج!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 13 سبتمبر 2015


الجمعة، 11 سبتمبر 2015

المستنقع في الفكر العدواني!

المستنقع في الفكر العدواني!


العدوان يبدأ بفكرة، ثم تكبر إلى الداخل لتتحول إلى حالة من الانتفاخ والغرور، فإذا أضفت إليها أيديولوجية متحجرة فقد جعلت من الاستعلاء حالة تحفز تنتظرالوقت الملائم للقتل والاحتلال!
المرة الأولى والأخيرة التي قمت فيها بزيارة سفارة إيران في أوسلو كانت في مارس 1979، أي قبل حصولي على الجنسية النرويجية بعامين. طرقت الباب ففتح موظف كوة صغيرة كأنه يطل من زنزانة في سجن حربي. من أنتَ؟ سألني بجفاء! قلت: أنا مصري مقيم في النرويج وجئت لتقديم التهنئة بنجاح ثورة الإمام الخوميني! انتظر هنا، وأغلق الكوّة بعنف. عاد بعد دقائق قليلة، وقال لي بلهجة غير ودية بالمرة: لكن الإمام قال بأن أعداء الله غير مسموح لهم بدخول سفاراتنا! سألته بدهشة: ومن هُم أعداء الله؟ ردّ بثقة وحسم: إنهم المصريون واليهود!
ومنذ هذه اللحظة وحتى الآن، أي لستة وثلاثين عاماً خلت لم أقترب من السفارة الإيرانية في العاصمة النرويجية!
لم يخفت تعاطفي مع دولة الإمارات في قضية النزاع على الجزر الإماراتية المحتلة، وظلت بالنسبة لي مسألة مبدأ ترسب في العمق، مع قناعة يقينية بأن الحق الإماراتي سيعود يوماً ما، ولو طال الإنتظار!
اللهجة الإيرانية في الصحافة الفارسية باللغة العربية تكرر نفسها، فتصف الحرب على الحوثيين وعلي عبد الله صالح بأن ( الإمارات في المستنقع) اليمني، وهو وصف أقل ما يقال عنه أنه مغالطة وقحة لأن طهران كانت تستطيع حقن الدماء من الساعات الأولى، وكان نظام الملالي قادرا على مد يد السلام، فدولة الإمارات لا تبحث في أي مكان، خاصة مع جيرانها، على استعراض القوة ، بل إن حكام الدولة الذين ورثوا عن الشيخ زايد، رحمه الله، البحث عن الحلول في الحوار ولو ملأ الخصم الدنيا بوَعيد وتهديد ظلوا على العهد بالرؤية الحكيمة للمؤسس الراحل، تغمده الله بواسع رحمته.
الغباء الواضح في السياسة الإيرانية يغض الطرف عن الأعداد الهائلة من الإيرانيين الذين يعيشون على خيرات الإمارات، ويفتـحون بيوتا في بلدهم، ويرفعون من مستوى معيشة أبناء الشعب الإيراني بفضل المصالح المشتركة مع الإمارات، والتجارة والتصدير والاستيراد.
فلتنسحب إيران مما تسميه ( المستنقع في اليمن ) وسنكتشف أن طهران تعرقل فرص السلام، تماما كما تفعل في العراق فشجعت نوري المالكي عندما كان رئيساً للوزراء على سرقة مليارات من البنك المركزي العراقي، وظلت ترقب بعين طائفية كل أنظمة الحُكم في الخليج.
لو جنحت إيران للسلم فلن تكون لأي قوة عظمى حجة في التوغل في المياه الدافئة!
إن حراس الثورة الإسلامية يظنون أنهم الحرس الخالص لدول الخليج، رغم أن اليد الإيرانية إذا صافحت، هدَّدَت، وإذا هدَّدَت، فقد أعطتْ الضوء الأخضر لأساطيل الكبار أن تُسرع في حماية الصغار، خاصة مملكة البحرين!
الورقة الطائفية قنبلة مزروعة في كل شبر من المنطقة، وتزييف التاريخ تجديد للعدوان، وقد آن الوقت الذي يتفهم الإيرانيون أن السلام الإماراتي لم يكن في يوم من الأيام ضعفاً أو تردداً أو مَسْكــَـنة أو خشية مُلالي قُــم!
لو كسب الإيرانيون الإماراتيين فسيغدق عليهم السلامُ خيرات لم يحلموا بها، وقد جاء الوقت الذي يمارس فيه الشعب الإيراني حقه في الرفاهية والسلام والتسامح !
الإمارات ليست في مستنقع اليمن، ولو توقفتْ طهران عن صناعة بؤر التطرف والطائفية والطاووسية سيتحول المستنقع، وفقا لمسمّياتهم، إلىَ اليمن السعيد!
يخطيء الإيرانيون إذا ظنوا أن الديكتاتور السابق علي عبد الله صالح يحمل لهم أي مشاعر ودية، فهو يتحالف مع الشيطان أينما وُجد، في صنعاء وفي بغداد و.. مع الحوثيين!
دم شهداء الإمارات في رقبة كل من يشعل عود ثقاب في المنطقة، وهم يعلمون أن اندحار الحوثيين وفرار علي عبد الله صالح ورفع يد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية عن دول الخليج هو بداية المرحلة للسلام.


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 11 سبتمبر2015






ٍ



الخميس، 10 سبتمبر 2015

الصورة.. وطن!


الصورة..  وطن!

في المستقبل عندما يتذكر أبناء الإماراتيين وأحفادهم وأجيال من صلبهم هذه الفترة الزمنية العصيبة فإن أول ما يقفز إلى الذهن صورة الشيخ محمد بن زايد وهو يقبل ويحتضن الجرحى في المستشفيات، فلم تكن تلك المشاعر موجهة للجرحى فقط، لكنها كانت لوطن يحزن لكنه لا يتوجع، يبكي بعزة، ويدمع بإباء.
الكلمات يمكن أن تخفت مع الأيام أما الصورة فتظل عالقة في الخيال برباط يشدها إلى القلب.
الكلمات تصبح حالة خاصة في زمن معين، أما الصورة ففيها كل اللغات، وبها كل المشاعر الجميلة،وعبرها يرى المرء في المرآة وطنه من جديد، وكلما أعاد الكَرَّة شاهد زاوية أخرى من زوايا المشهد العائلي الوحدوي، فهي حالة حب كأنك تتدثر بالعــَــلَم الوطني أو تتدفأ به.
لا يمكن تصوّر علاقة صحية بين الحاكم والمحكوم خارج هذا الإطار الذي أوضحته تلك الصورة فهي ليست زيارة روتينية أو مجاملة لعدسات التصوير أو لوضعها في الصفحة الأولى لجرايد ذاك الصباح، إنما هي تلخيص لشدة الإرتباط بين أبناء المؤسس الأكبر، رحمه الله، وبين أبناء شعبه.
لو لم تعرف شخصيات الصورة لاختلط عليك الأمر فظننت أن الزائر هو الجريح، وإذا تأملت في الصورة أكثر فستسأل: أليس الشيخ محمد بن زايد جريحاً حقاً؟
الصورة التاريخية تلك يسهل تخيلها مع روح الشيخ زايد، رحمه الله، وتعطي المرء إنطباعاً بأن والد الأبناء الأوفياء هؤلاء، تغمده الله بواسع رحمته، هو الذي فتح باب الغرفة في المستشفى وطلب من أولاده أن يدخلوا الواحد تلو الآخر لمعانقة الجريح وشم رائحة الشهيد.
شعبية الشيخ محمد بن زايد تضاعفت سبعين ضعفاً بفضل هذه الصورة العفوية والتلقائية ولو قررت السلطات في الإمارات جعلها الصورة الرسمية في المكاتب والمؤسسات الحكومية لما وجدت مكتبا أو غرفة أو مؤسسة أو معهداً إلا نفخ أصحابه في الصورة الحياة والابتسامة والحزن والدموع التي سقطت من عينيه على ملابس الجريح.
نعم، الصورة وطن، والعدسة تلتقط ما لا يعرفه المقال والشعر والنثر والخطاب وبرقيات التعازي كلها!
أعترف بأن الصورة هزتني كثيراً، ورأيت فيها الشيخ محمد بن زايد في ساحة الحرب يمنح جنوده القوة والشجاعة و .. البركات!
كانت الصورة تتحدث على لسان المواطن الجريح، وكأنه يخفف عن زائره الحزن، ويرجوه أن يعود، أي الجندي، مرة أخرى ليحارب، ويُجرَح، ويــُــنقــَل إلى المستشفى ثم يقوم الشيخ محمد بن زايد بزيارته مرة ثانية، فيحتضنه ويعانقه ويُقبــِّــل رأسه.
الصورة كانت عبقرية وطن بقلم عدسة لم يعرف حاملها أنه يرسم المشاعر بأدق تفاصيلها.
الصورة تنطق، وتتحدث، وتــُـقْســِـم أن الإمارات بخير!  
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 9 سبتمبر 2015

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

من أين يأتي الإماراتيون بهذه الأفكار؟


نهضة أي دولة لا تتحقق بالأفكار المجردة، المتحفية، النائمة في أدراج مكاتب المسؤولين، ولكن في خروجها إلى النور، ثم البحث في تطبيق أفضلها، ثم المرور عبر الشفافية!
كثيرون يظنون أنها نهضة عمرانية فقط، وعمارات شاهقة، وأبراج تناطح السحاب، وفنادق للحالمين، لكن الحقيقة أنها نهضة فكرية مواكبة للتقدم العُمراني، حتى لو تأخرت بعض الشيء لأن المادة تستند إلى المال وهو بفضل الله وفير، أما عالم الفكر والثقافة والفنون فينتظر من يبحث عنه وليس العكس، ومن يتطلع إلى برج خليفة ليس كمن يبحث عن مجلة دبي الثقافية!
إنتخابات المجلس الوطني الإتحادي نموذج لأهم التحديات القادمة وفي مقدمتها الشفافية وسنّ قوانين صارمة وعادلة ومتحضرة من أجل الناخب والمرشح وسير العملية الديمقراطية في طريق لا يلتفت يمينا ولا يتردد شمالاً!
ينتابني إحساس جميل لم يدر بذهني قط أن دولة عربية ستجعل أي إنتخابات عرساً حقيقياً وليس أوامر من القصر وترديدات من الإعلام وبهجة مزيفة، إلى أن تابعت عبقرية تحقيق الفكرة على أرض الواقع في دولة الإمارات.
فالمرشح أمامه حسم من الدولة بأن لا يتجاوز إنفاقه على حملته الانتخابية أكثر من مليوني درهم، فكسر هيبة المال هي الخطوة الأولى لإبعاد الفساد والرشوة وشراء الأصوات عن العملية الانتخابية برمتها، والإنفاق ليس من مال عام أو أموال الحكومة، فالشعب لا ينفق على مرشح ليمثله، والبذخ الانتخابي بداية الطريق إلى الفساد المتمثل في تقييد المرشح ليصبح مديناً لمن ساهم في نجاحه.
الدولة تمنع التأثير على الناخب والتي تجري قبالة مراكز الاقتراع،  فالسلطات الإماراتية تعلم جيدا أن الاختيار قد يكون في اللحظات الأخيرة قبل أن يضع الناخب قدمه في اللجنة، وأن التأثير القبلي والديني والعشيري يكون دائماً قادرا على تحويل فكرة مسبقة إلى عكسها لو همس شخص أو صديق أو سمسار أصوات أو صاحب أيديولوجية معينة ومحددة الأهداف في أذن الناخب.
الصمت الإنتخابي لم يعد من حق المرشح، لكنه حق مطلق للناخب، فإذا كانت مدته يومين فقط فالإختيار يصبح قناعة شخصية من أجل الاثنين معاً: المرشح والناخب.
الثقافة البرلمانية تفسح الطريق لبرلمان صحي قائم على حُسن الاختيار بعد تطبيق القواعد العلمية والعملية، مع دعم كامل من كل أجهزة الدولة، ولقطع الطريق على أي ندم لاحق في حالة سوء الاختيار.
التمكين السياسي يجعل الجميع على قدم المساواة في تسيير دفة الحُكم، فصناعة القرار التي تبدو ظاهريا كأنها فردية أو حاكمية هي في الحقيقة قائمة على وعي الناخب وأمانة المرشح وسلطة الدولة وتسهيل كل السبل أمام الديمقراطية .
يبقى كشف الحساب الذي يجب تقديمه إلى الإمارة حتى يتم التأكد من نزاهة مصادر التمويل، وتصفية وغربلة كل درهم يُنفق على الحملة، فالعدالة في الترشح تقابلها مساواة في الإنفاق.
سلطة الدولة تحدد شفافية الإنتخابات، فإذا انسحبت في أي بلد فقد تركت الناخب في مهب الريح، وفتحت ثغرة، ولو عن غير قصد، لسماسرة التصويت، لذا فإن الانتخابات هذه المرة، بعد 2006 و 2011 تنبيء بقدر كبير من النجاح الديمقراطي، وذلك بفضل تدخل الدولة التنظيمي وليس الإنحيازي.
في اعتقادي بأن التكاتف الوطني الإماراتي إثر استشهاد ثلة من شباب الدولة الأبرار سيعطي دفعة قوية للمشاعر الوطنية التي تصب في صالح الشفافية، فالحزن أيضا شفافية ومطهر لأي شوائب تمس الخيارات في رسم صورة مستقبلية للوطن.
ليس كل رحيل يصبح غياباً، فرحيل الشهداء زاد من ( إماراتية) المواطن، بل أكاد أزعم أن الوافد الضيف يمكن أن يلتصق بالوطن المضيف عندما يشعر بأنه لم يعد الضيف الذي ينتظر يوم يعود إلى وطنه الأم، إنما القناعة بأن الخطر مشترك، ليس فقط في الحروب، إنما في الحلم المستقبلي .. وفي المقدمة الانتخابات!  
 

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 9 سبتمبر 2015
 

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

الجبهة الداخلية خارجية!


الجبهة الداخلية خارجية!
لم تتأخر السلطات الإماراتية في الذود عن تماسك الجبهة الداخلية يوماً واحداً عندما علمت بفبركة أسماء الشهداء الإماراتيين الذين سقطوا في اليمن، فأمرت فوراً بالقبض على واضع الأسماء الوهمية ، فالوطن لا يمكن أن يكون عسكريا قويا في الخارج وهشاً في الداخل لأن النتيجة واحدة وهي تفتت وتقسيم الكتلة الواحدة إلى اثنتين!
السلطات الإمارتية أثبتت أن حس الوعي لديها عالٍ إلى درجة مذهلة، فلم تستهن بالكذب ولو كان فردياُ، ولم تقلل من خطورته ولو مر عليه الكثيرون مر الكرام!
السلطات الإماراتية تعرف أن مستصغر الشرر سيكبر،  وأن عالم الإنترنيت والفيسبوك والتويتر والمواقع الشخصية المتناثرة بالملايين تستطيع أن تجعل الأمن في أي بلد مرتبكاً، وأن تصبح الفبركة الصغيرة بعد ردح من الزمن حقيقة واقعة.
السلطات الإمارتية تعرف أن لا حاكمية لمن لا يبسط سيطرته وسطوته وقوته على الفكرة قبل المادة، وعلى العدو الخفي قبل الخصم المكشوف، وأن من يجلس خلف جهاز لابتوب صغير في غرفة حقيرة بمكان ناءٍ قد يكون هو الاخطر من جهاز عسكري لعدو يتحرك بجيش في العراء.
السلطات الإماراتية أسرعت لوأد فتنة الفبركة الخبرية، ولم تطالب بقتل صاحبها بالصمت والإهمال وإلا لن يخشاها أحد، وسيلد المفبرك في كل مرة مئة نسخة منه.
السلطات الإمارتية لا تمزح فيما يتعلق بأمن الوطن، فإذا صمتت فستصبح نصف الأخبار الفيسبوكية القادمة من عالم المجهول خطراً يصيب الوطن في أعز ما لديه، أي المصداقية الخبرية فيقفز كل من هب ودب ليسرب شائعة أو يفت في عضد جبهة، أو يدعم الخصم نتــيــّــاً  وأثيرياً أو يتسلل إلى المشاعر والوجدان والمعتقدات واليقينيات ليعيد ترتيبها وفقاً لمصلحة العدو!
السلطات الإمارتية نجحت فيما فشل فيه كثيرون في دول شقيقة أو صديقة التي غضت الطرف عن الخطر الفردي الضعيف ظاهرية فوقعت في شراك المتربصين بها.
السلطات الإماراتية تعرف سهولة التسلل إلى جبهة الداخل في أي بلد ولو كان محصــَّـناً أمنيا وعسكريا وتكنولوجياً، فالأهم أن يتعلم الإمارتيون في هذه الظروف الصعبة أن الشك هو الطريق الوحيد لليقين، وليس كل خبر تبثه وكالة أنباء أو صورة تنشرها على نطاق واسع قناة فضائية أو مقال صغير من قلم مشبوه يضرب الإيمان الوطني وتضحىَ القناعات بالبيانات العسكرية الوطنية غير ذات أهمية، لذا كان الإسراع الإماراتي في هذه الحالة الفردية رسالة صريحة لمن تسول له نفسه خلط الحقيقي بالخيالي حتى يتعسر ويصعب فصل الاثنين لاحقاً!
السلطات الإماراتية نجحت نجاحاً باهراً في أول اختبار للتحقق من يقظتها نحو حرب الشائعات، ومعركة التواصل الاجتماعي حيث الطابور الخامس يبحث عن خلخلة الجبهة الداخلية المتماسكة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 8 سبتمبر 2015
 

الاثنين، 7 سبتمبر 2015

لــهــذا كلنا إماراتيون!


الموت ليس نهاية، فقد أثبتت الإمارات أنه بداية الالتحام الأصيل، فالراحل باقٍ، وحبات تراب الوطن لا تتناثر بعيداً إذا عصفت بها الرياح أو الأزمات أو الأحزان.
 عجيب أمر حكام الدولة فقد تمكنوا من صناعة رباط مقدس مع أفراد الشعب كأن كل فرد أضحى زايداً ولو من جيل الأحفاد!
من يراقب جيداً العزاء الدافيء من حكام الإمارات وأبنائهم يشعر أن هناك إتحاداً جديداً قائماً على المرحلة الثانية، أي التحام وطني يصل مداه في تحويل المواطنة إلى صلة رحم، وهي مرحلة لا تصل إليها إلا قلة من الشعوب على مدىَ التاريخ الإنساني.
 
سبق هذا التشابه الشكلي الذي تمخض عن تشابه فكري وطبيعي، لهذا تجد تلك الظاهرة بوضوح سا
 
طع في الإماراتيين بخلاف معظم الشعوب، فقد تعرف المصري من هيئته، والفلسطيني من لكنته، واللبناني من عمله المنفرد، والسوري من خوفه، والعراقي من توجسه، والجزائري من تحفزه، والكويتي من حريته، والمغربي من تردده، والسوداني من صبره على القهر، والليبي من عدم ثقته بك للوهلة الأولى، والأردني من قدرته على التكيف السهل، والعُماني من سلاميه الداخلي والخارجي، أما الإماراتي فقد توصلت عبقرية الإتحاد إلى خلق تشابه خارجي يعادل في وضوحه التشابه الداخلي.

يمكنك أن تأخذ عينة عشوائية من ثلاثة مواطنين من كل الجنسيات العربية، بما فيهم الخليجية، وتجعلهم يصطفون امامك بملابسهم الوطنية أو الإفرنجية، ولا أحسب أنك ستخطيء في التعرف إلى الثلاثة الإماراتيين المتشابهين، تقريباً، في كل شيء!

في يقيني أن السبب هو التدرج الوحدوي، النفسي والعاطفي والمكاني والزماني، مع مثل أعلى لا يختلف عليه اثنان.

ثم جاء الحزن المفاجيء في استشهاد خمسة وأربعين من حُماة الوطن الأبرار، فأسرع الحزن بضم أي اختلاف شكلي إلى الهوية الوطنية، وهذا لاحظناه في عشرات اللقاءات الدافئة بين حكام الإمارات وأهالي الشهداء وأقارب الجرحى.
لم تكن ابتسامات أو دموع مجاملة كما اعتدنا أن نراها في عشرات الحوادث المتشابهة في كثير من دول العالم، لكنها رسم حقيقي لما في القلوب.
الموت كما قلت ليس نهاية أفراد، إنما بداية أجيال تتنفس عبر أرواح من ضربوا المثل في التضحية خارج أو داخل الوطن.
المعارضون يتباكون، زيفاً، على الجنود الإماراتيين الشهداء، ولكن هل كان هناك خيار آخر إلا أن تنتظر الإمارات أن يأتيها الخطر تحت أقدام نهضة لو تهشم جزء منها، تداعت له سائر أجزاء الدولة بالسقم والضعف.
لا ريب في أن خطأ الصمت على الإرهابي علي عبد الله صالح تتحمله كل الدول العربية التي لم تهتم بمعهد ومؤسسات الاستشراف المستقبلي للخطر، فكل خطبة في السنوات العشرين المنصرمة تثبت أن ديكتاتور اليمن كان على استعداد لهدم المعبد على الجميع.
كان المفترض أن خروجه من الموت أو من العجز التام والتشويه الكلي في مستشفيات المملكة العربية السعودية يجعله عارفاً لذوي الفضل ما قاموا به من أجله، ولكن التاريخ تكرر، وكلما ساعدته دولة انقلب عليها لاحقاً، فالجنوبيون وثقوا به فاصطادهم، والسعودية أعادت تأهيله نفسيا وجسدياً فغدر بها، والكويت أنشأت له مؤسسات الدولة فوقف سفيره في مجلس الأمن يعاضد صدام حسين.
كتبت كثيرا من قبل عن خوفي على نهضة إماراتية في كل شبر، وزايد في كل حبة تراب، وطمع جيراني، بعيد أو قريب، يشبه طمع عمر حسن البشير في ذهب الكويت، فساند طاغية بغداد!
الإمارات صاحبة أنجح إتحاد عربي جعل السبع واحدة، والمؤسس الأكبر، رحمه الله، كأنه لم يرحل قط.
في الأزمات ينبغي أن يظهر معدن الصديق، والدولة التي رفضت أن تُسمىَ ( الإمارات الخليجية المتحدة) واختارت ( الإمارات العربية المتحدة) تستحق أن يهتف العرب: كلنا إماراتيون)!


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 7 سبتمبر 2015


 

السبت، 5 سبتمبر 2015

شهداءالوطن خارج الوطن


بعض الدول تفقد أبناءها في حروب فلا تلتفت إلى أرواحهم إلا قليلا، وبعض الدول تعتبر هذا أداء واجب يستحق الشكر، أما الدموع فعصيــّــة على السقوط!
أما الإمارات العربية المتحدة التي فقدت في عمل خسيس من قوى ظلامية خمسة وأربعين شهيداً فتبدو من هول حزنها أنها فقدت كل أبنائها، فالحزن الحقيقي هو الذي يُشعر الأمة كلها أن الفرد جماعة والجماعة كل فرد في الوطن.
ودولة لا يزيد عدد سكانها عن تسعة ملايين نسمة ونيف من الطبيعي أن تكون خسائرها محسوبة بالنسبة لعدد سكانها، فإذا كانت قيمة الفرد فيها يحصيها الوطن كنزاً، فأغلب الظن أن شهداء الواجب يتحولون إلى حالة حزن جماعي يمتد بطول جذور مواطنيه في تربة صلبة لا قرار لها.
خمسة وأربعون شابا صغيرا منهم من ينتظر حفل زواجه، ومنهم من يهتز صدر أمه الحنون قبل عودته للارتماء فيه بوقت طويل، ومن تعرف لأول مرة على قسوة الحرب وشراسة رمال الصحراء ومنهم من أخذ راحة من حياة الرفاهية ليلتقي بحياة لا تفرقها عن الموت إلا بعد عودته.
وكان حكام الإمارات وفي المقدمة المؤسس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يعرفون أن لغة الحوار هي جواز المرور الوحيد لعبور الحاضر إلى مستقبل دولة الأمن والرفاهية، لذا فلم يرفع الإماراتيون سبــّـابة أو سلاحا في وجه قوات الإحتلال بالجزر الثلاث، فالحاكم الذكي لا يسير فوق مصيدة، فاختار الإماراتيون لغة النهضة، لأن الحياة من حق أولادهم.
وتجري الرياح بما لا تشتهي الفــُلك، وتمر ثلاثة عقود أو يزيد على حُكم طاغية صنعاء الذي كان ولا يزال على استعداد أن يحرق الخليج كله من أجل أن يعيش هو ومريدوه وقاتيوه، أليس هو الذي وقف مع صدام حسين بعدما أطعمته الكويت وأنشأت له مدارس ومستشفيات وسدودا؟
وإيران حائرة في اليد الإماراتية الممدودة دائما، وكلما جنحت إلى السلم جاءوها من مكان آخر، فالإمارات ضربت خصومها في متطرفيهم، وأوقفت نزيف الدم قبل أن يسيل بوقت طويل والجماعات الدموية لم تجد الطريق للإمارات سالكاً.
خمسة وأربعون شهيداً في جنة الخلد تظللهم روح الشيخ زايد ففيهم نفخة من الملكوت الأعلى.
خمسة وأربعون ابتسامة جميلة غادرتنا لتعطي درسا للجميع أن الرفاهية التي تربى هؤلاء في حجرها هي أكثر خشونة من جبالهم ووديانهم وصحرائهم ومأربهم ومآربهم ، وروح القتال التي دبت في الجندي الإماراتي لا يخيفها حوثيون أو صالحيون أو إيرانيون.
أيها الشهداء الأبرار،
كلكم زايد، فهنيئا لكم جنة الخلد.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 5 سبتمبر 2015