مفتاحُ قلبِ أيّ بلدٍ قد يمنحه شخص أو سياسة أو إقامة قصيرة أو طويلة أو حكايات تتشابه مع ألف ليلة وليلة؛ وهنا تزيحُ العواطفُ المنطقَ والحقائقَ والمَشاهد بعيدًا حتى لا تتأذىَ الأحاسيسُ الدافئة والتي قد يصعب شرحها أو تبريرها أو الدفاع عنها.
ثمة حاسة سادسة أو سابعة وهي المختصة بتصنيف، وترتيب، وغربلة المشاعر فتقدم هذه، وتؤخر تلك ولا تكترث للمتعارَف عليه، ولا تُبرم عقودًا غير متكافئة مع السياسة والدين والثراء والنفط لأن مصافحة دافئة قد تُقلب كل الموازين وتصحبك مباشرة إلى القلب.
المرة الأولى التي قمت فيها بزيارة المملكة كانت عام 1985 بدعوة كريمة من الدكتورعبد الله عُمر نصيف، أمين عام رابطة العالم الإسلامي سابقا.
المفاجأة كانت في مطار جدة حين رأيت مفتش الجمارك يفتش حقائب مسافر دانمركي كان يقف أمامي؛ ولحظتئذٍ تأكدت أنْ حقائبي ستنقلب عاليها سافلـَـها.
جاء دوري، وسُئلت: من أين أنت قادم؟ قلت: مصري مقيم في النرويج. ابتسم المفتش في وجهي وقال: أهلا بك في بلدك الثاني، ورفض تفتيشَ حقائبي!
كانت تلك أول كلمات سعودية دافئة تدخل أذنيي ومعها ابتسامة.
بعد يومين من أداء العُمرة قال لي الدكتور عبد الله عمر نصيف إنني أعلم مدىَ محبتك للأمير سلمان، أمير منطقة الرياض وقد حجزنا لك غرفة في فندق قصر الرياض، وموعدًا مع سموه في مكتبه بالإمارة.
كان قلبي يشبه القطار فأصبح كالطائرة يحلق في مكانه خشية أن يتحول إلى صاروخ يعبر من جدة إلى الرياض قبل أن يرتد إلىَ طرفي.
استقبلني الأمير سلمان استقبالا حفيـًـا، وأثنىَ على كتاباتي، وهنا تعلمت أول درس في أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمًن.
عدت بعد يومين إلى جدة، وحكيت للدكتور نصيف عن الزيارة.
ظلت علاقتي جيدة، وتكررت زياراتي ، وكتبت عن الموقف السعودي الشهم الذي فتح أرض المملكة للشرعية الكويتية، تقيم فيها الحكومة، وتدرب الجيش الكويتي في صحرائها، وتجعل الشقيقة الكبرى خط الدفاع الثاني والذي ظهر جليا في مؤتمر جدة في منتصف أكتوبر عام 1990.
وكتبت مقالا ليقرأه كل كويتي مسؤول عن أهمية إعداد استقبال حاشد وشعبي ورسمي للملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله، لتعرف الدنيا فضل السعودية في تحرير الكويت من براثن الغزو العراقي الآثم.
في 21 سبتمبر 1992 دُعيت إلى حفل افتتاح المركز الإسلامي في العاصمة الإسبانية، واستقبلني في المركز الأمير سلمان، وصليت بجواره في صلاة العصر جماعة، وأهديته ألبوما من الصور عن الرياض بعدستي. ثم استقبلني بعدها بيومين في مدينة إشبيلية بمناسبة جناح المملكة في معرض إكسبو 92 والعيد الوطني السعودي.
ازدادت علاقتي عُمقا بالمملكة، ودافعت عنها في كل المحافل، ورفضت العمل العدواني في مظاهرات مدفوعة الأجر، خاصة في كوبنهاجن شتاء 1990.
وكشفت في كتابات متعددة الهجمة الهمجية الإعلامية في لندن وغيرها التي كانت تقودها ذيول النظامين العراقي والايراني رغم التناقض بينهما.
كنت أكتب ما أراه صالحا للمملكة، وكان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ( الأمير حينئذ) يتعاطف مع قلمي على الرغم من حدّته، ولم أسمع كلمة واحدة أفهم منها أنه عتاب لانتقاداتي الشديدة للمؤسسة الدينية، خاصة قيادة المرأة للسيارة وتغطية وجه المرأة والفتاوىَ الفجة وسطوة رجال الدين واعتداء جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حرية المواطن السعودي.
كنت فرحا عندما أبلغني الوزير المستشار علي الشاعر بأن الأمير سلمان قال له شخصيا: أوصيك بمحمد عبد المجيد خيرًا فهو يكتب ما لا يتجرأ الآخرون على الخوض فيه.
وظلت الأمور طبيعية إلى أن جاءت زيارتي في عام 2003، وفي اليوم قبل الأخير للجنادرية، وكانت الزيارة المصيدة وقد حكيت عنها عدة مرات من قبل، والتي رفضت وزارة الإعلام أن ترسل لي سيارة أو مرافقا طوال أربعة أيام دون شرح الأسباب، لولا الصديق المخلص والمثقف والإعلامي الوزير والمستشار علي الشاعر الذي استقبلني في بيته صباح كل يوم نستمتع معا بأحديث أدبية وشعرية ولغوية، ومن شدة كرمه أنه أرسل شيكا بنفقات الإقامة في الفندق، وقد رفضتها مع جزيل شكري، وقال لي: معذرة، يا طويل العُمر، ما حدث معك ليس من أخلاقيات السعوديين بالمرة.
عندما علم الأمير سلمان بوجودي عن طريق الصديق عساف بو ثنين سكرتيره الخاص؛ استدعاني في اليوم التالي، واستقبلني قائلا: كل ما ترغب فيه تأمر فقط، والأخ عساف سيلبي طلباتك.
هنا عرفت وزارة الإعلام بخير الاستقبال، وأرسلوا سيارة ومرافقا ودفعوا نفقات الإقامة، وتحول الموظفون في الوزارة إلى أصدقاء حميمين كأن الأيام الأربعة التي قاطعوني فيها تبخرت في الهواء.
سألت من لديهم العلم ببواطن الأمور فبعضهم قال بأن السبب انتقاداتي الشديدة للمؤسسة الدينية، والبعض قال بأن السبب مطالبتي بفك الارتباط بين آل سعود وبين المؤسسة الدينية، والبعض قال بأن مقالي( دعوة لتنازل الملك فهد عن العرش ) كان الفاصل، رغم أن المقال كان من أكثر مقالاتي محبة للملك فهد، رحمه الله، وقد اتهمت فيه السعوديين بالقسوة لأن المكان المناسب لمليكهم كان فراشا أبيضَ بين أيدي ملائكة الرحمة، ويقفز عليه أحفاد الملك ويلعبون معه، ويحتضنهم بعيدا عن فلاشات الكاميرات المؤذية لعينيه، والكرسي المتحرك.
في نهاية الزيارة قررت حاسمـًـا عدم العودة للمللكة طوال حياتي الباقية زائرًا أو معتمرًا ( اعتمرت قبلها مرتين) وكان ذلك عام 2003.
كتبت خلال عهدي الملك فهد والملك عبد الله، رحمهما الله، عن أهمية تعيين الأمير سلمان وليـًـا للعهد، فهو الأصلح لقيادة حركة التنوير الجديدة، ولم يرق كلامي للقوىَ التي لم تتعجل تولي الأمير سلمان ولاية العهد، بعد ملكين مريضين!
لأكثر من ثلاثين عاما وعلاقتي تتراوح بين مدٍّ وجزر، بين اتفاق واختلاف، بين مديح وانتقاد، لكنني لم أقف موقفا لو علم به الملك سلمان والدكتور نصيف والمستشار الوزير علي الشاعر لأحزنهم غدرُ الصديق بهم بعد دفءِ ثلاثة عقود أو يزيد.
أكتب هذه الكلمات بعد قرار خادم الحرمين الشريفين بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة وكان هذا طلبي وإلحاحي لأكثر من ربع قرن، خاصة أنني ركزت على أهمية أن تقوم المرأة بحماية أولادها من عبث سائقين غرباء.
ومعركتي مع قوى الظلم المهددة لاستقرار المملكة لم تنته بعد، فهناك عالم الفتاوى المتخلفة والفجة والساقطة التي تعرقل دخول مملكة سلمان العالم الجديد قبل أن يتولى الأمير محمد مقاليد الحُكم رسميا، أطال اللهُ في عُمر والده.
ومعركتي مع تغطية وجه المرأة لم تنته بعد، فالنقاب حرام وإهانة للرجل والمرأة معا، وترحيب بالإرهاب خلف قطعة قماش، وإهالة التراب على ذكريات الناس مع وجه المرأة الذي خلقه الله لنتعارف، ونتبادل المشاعر الطيبة والشريرة، وتخرج المرأة من عالم المبني للمجهول.
ومعركتي مع عشرات السلبيات في المملكة لم تنته بعد، فأنا لست من المؤلفة قلوبهم، وكتاباتي المتعاطفة والناقدة نابعة من محبة للملك سلمان ولسنوات طويلة كنت أثق في قيادته للسفينة السعودية، وما يزال في قلبي يقين بأن الملك سلمان سيعيد تأليف القلوب في الخليج رغم الجيران وحرب اليمن ومؤامرات طهران وقُم.
ما يطمئنني هو التحالف الإماراتي/السعودي ضد قوى الإرهاب والطائفية.
الإمارات قامت بأشد الخطوات شجاعة في تاريخها المعاصر، أي تقزيم وتحجيم ومنع الدعم عن المراكز الإسلامية التي تقوم بعمل الشيطان باسم السماء.
وعندما يأمر الملك سلمان بوقف كل صور الدعم المالي عن المراكز الإسلامية، خاصة في أوروبا، فسيقطع دابر الفكر الداعشي، وسيقدم أروع الخدمات للإسلام الحنيف بعد خدمة الحرمين.
تلك هي حكاية حيرت الكثير من أصدقائي، وكيف لقلمي أن يصمت أو يهادن أو ينتظر عندما يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية.
قد تكون المحبة السابقة نقطة ضع في كتاباتي اللاحقة، فبعضُ الناس إذا ابتسمت لهم مرة واحدة ظلوا مدينين لك ما بقي لهم من عُمر، فما بالك بأكثر من ثلاثين عاما على أكثر العلاقات دفئــًـا بين ملك وصحفي، بين السعودية وقلمي!
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النروجيين
أوسلو في 3 أكتوبر 2017
Taeralshmal@gmail.com