الاثنين، 23 مايو 2016

الإمارات أرض المهجر الخامسة!

كل السرقات تنضوي تحت الحزام والحرام أو الممنوع أو المكروه أو التحايل إلا سرقات العقول عن طريق مشاعر قومية ووطنية، فالمسروق هنا يغادر وطنه في مكان ويدخل وطنه أيضا من مكان آخر.
دولة الإمارات أنهت عصر ديناصورات المهجر حيث يتم تقديم كل الإغراءات المادية والأدبية كما يحدث في أمريكا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، فخط العودة في الإمارات مفتوح، والهجرة ليست قطعا وانقطاعا، ويمكنك أن تشحن إقامتك بمشاعر عروبية وقومية فيها روح وطنك الأم، وتظل ما بقي لك من عُمر في الإمارات أو تغادرها متى أردت.

الإمارات لن تعرفها وأنت تنظر إليها من مسافة قريبة أو بعيدة ولو كنت نظارة مجسمة ترى بها كل الاتجاهات، وهي لا تحتاج منك إلا إلى زيارة قصيرة غير سياحية، تتجول، وتقابل، وتتأمل، وتقارن الفوائد والخدمات والحقوق والواجبات فضلا عن الوضع المادي والعائلي والمستقبلي.
كثيرون كانت الفكرة المسبقة التي يحملونها لا تخلو من رائحة النفط، ورعب الكفيل، ومعاملة فوقية، وتشدد ديني يتبعك أينما حللت، ويراقبك في نومك ويقظتك، ويحدد لك ملابسك وسلوكياتك من منطلق دعوي.
في السنوات القليلة الماضية فاجأت الإمارات جيرانها وعالمها والدنيا كلها بأنها تجري، وتلهث، وتسابق الرياح ولا تنظر خلفها.
والإمارات تخلصت من كل قيد في معصمها ظن رجال الدين أنهم سيتحكمون به في رؤيتها للمستقبل ولعلاقتها بالسماء، فإذا بالدولة تتحرر ومع ذلك تظل محتفظة بالثوابت الدينية والتقليدية والعُرفية التي لا تتناقض أوتتعاكس أوتتضاد مع النهضة والازدهار والتطور.

الإمارات ليس لديها وقت للاحتفال بالانجازات لأنه لن تمضي عدة ساعات حتى يصبح الإنجاز من الماضي، فمعركة الإبداع مسألة حياة أو ثبات الدولة في موقعها وصحرائها وأفكار أسياد الرجعية.
سبع إمارات تفتح أذرعها ليصبح هواك دبيانيا أو ظبيانيا أو فجيريا أو عجمانيا وتستظل برأس الخيمة أو تسند رأسك في الشارقة و تتأمل أم القيوين.
أنت تفكر، إذًا توكل على الله وولــّـي وجهك شطر الإمارات، فإذا كنت مبدعا في أي مجال فثق بأنها ستكون ملاذك الأخير دونما حاجة أن تبدأ رحلة البحث عن وجهة أخرى.

سباق أخوي وأليف ودافيء بين حُكام الدولة فيمن يستقطب قوى الإبداع، ويهيء لها كل الوسائل التي تجعلها لا تفكر لحظة واحدة في البديل، فالإمارات قامت فعلا بتوديع عصر السلحفاة منذ أكثر من أربعين عاماً، ومن أراد قوة دفع فروح المؤسس الراحل، الشيخ زايد رحمه الله، تضاعف سرعتك في العطاء ضعفين أو أكثر.
الإمارات توصلت إلى عبقرية النهضة وذلك بوضع ثقتها في حُكام الأرض بدلا من المتحدثين باسم السماء، فأضحت أقربَ إلى السماء منها للأرض.

لم يدر بذهن الأديبة فاطمة ناعوت بعد جوائز الإبداع في أستراليا وكندا أنها ستجد مفاجأة في دولة الإمارات، فكل المسؤولين يعيشون حدث الابتكار، وكل المبدعين تحتضنهم الدولة ولو كانوا غرباء ووافدين وزائرين، واكتشفت فاطمة ناعوت أن الإمارات لا تحكم بالسجن على من يقترب من تابوهات رجال الدين، وأن القضاء الإماراتي لن يحاسبها على رقة مشاعرها تجاه أضحية العيد، وأن الوطن هو الذي تترعرع فيه مشاعر الحب والصفاء، وأن ترابه لا يخيفك إذا مشيت فوقه، وأن ما تقدمه دول العالم الأول تستطيع الإمارات أن تقدم أكثر منه و.. يزيد.
اكتشفت فاطمة ناعوت الأديبة والشاعرة الإمارات وهي التي إن أرادت أن تجوب العالم كله ضيفة عزيزة مكرمة، واستثنت أرض الكنانة والقائمة السوداء في مطاراتها، فإن الإمارات قادرة على جعل شفتيها تنفرجان دهشة منذ وصولها وحتى المغادرة.

تزور مركز ( التوحد ) المتقدم والكبير، ثم تسمع فرحة أمين معلوف عبر ( موانيء الشرق ) مؤكدة أن بعض الهويات ليست قاتلة، فلا تنساه الإمارات في إحدى أهم جوائزها، ثم تنتقل من ضيافة إلى أخرى، ومن قناة فضائية إلى ندوة، ومن حوار إلى محاضرة، وكلما بحثت عيناها في ندوة وجدت كبار رجال الدولة هناك، فالمسؤول الذي لا يتواجد في مكان أدبي لن يستطيع تفهم العمل في مؤسسة علمية.
للحياء عبقرية اسمها الإمارات، لذا لم يفاتح أي مسؤول كبير الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قضية فاطمة ناعوت، رغم أن الرئيس لم يكن ليتأخر عن الإشارة بسبابته فتعود مبدعة مصر والضاد مرفوعة فوق الأعناق في مطار القاهرة الدولي، فاكتفت الإمارات بالترحيب الحار وكأنها أرادت أن تقول لمصر، إذا سجنتموها فحريتها على أرض زايد، وإذا تركتم الفكر الداعشي يحاسب حروفــَـها، فكل حروفـِـها في الإمارات لآليء تنير العقل والقلب.
في خضم إنشغالها بالعشق الإماراتي لم تنس رفع الــَــعلــَـم المصري في مباراة كرة القدم التي هي آخر اهتماماتها، فوصلت الرسالة بأن لها وطنيــّـن: قرأتها أبو ظبي وظنت القاهرة أنها مكتوبة على حجر رشيد.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 23 مايو 2016 

الثلاثاء، 3 مايو 2016

الشيخ عبد الله بن زايد وأمين معلوف .. الجائزة والتناغم

إذا رأيت الكتاب في يد مسؤول فليفرح قلبك، أما إذا تحدث المسؤول العربي عن الكتاب وعشقه إياه وتأثره به وبصماته على ماضيه، فثق أن الرجل سيُحسن اختيار مستشاريه ومساعديه ومعاونيه، وستأتيه الأفكار من كل مكان، واختيار أصلحها لن تكون مهمة عصية عليه.

الشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي لا يمنح جائزة فقط، لكنه يعيد مع الكاتب علاقة قديمة عاش بين صفحات أعماله، ثم جاء الوقت الذي تلتحم فيه الثقافة والسلطة، فسمرقند تؤتي أكــُـلَها بعد عقدين من الزمان، و"الهويات القاتلة" تصنع فكرة تسامح المتناقضات والمتعاكسات.
أكثر المتابعين للشأن الإماراتي يظنون أن الدولة تفتح ذراعيها لكبار رجال السياسة إذا سُدَّت أمامهم الأبواب في أوطانهم، لكن الحقيقة غير هذا بالمرة، فعاصمة الثقافة وفي مناخ معرض الكتاب ورائحة المطابع تتسلل إلى الأنوف، فإذا التقطها العقل عرفت أنها رائحة النهضة الزكية.

يتسلم أمين معلوف جائزته في دولة الإمارات، فقد تربـَّـى في بيروت، عاصمة الكتاب في عز مجدها، وتوجه لعاصمة النور ليكتب بلغتها الفرنسية روائعه رغم أنها ليست مسقط رأسه فأضحت إلهامَ رأسه، ثم تدعوه دولة الإمارات لتمنحه جائزة مبدع، ويكتشف أن رئيس دبلوماسيتها تأثر بكتاباته، وعلى مقربة منه تقوم الشاعرة والأديبة فاطمة ناعوت بزيارة مركز ( التوحد ) فخر الإمارات في التعامل مع حالاته، ثم تلتقط عيناها ابداعات الثقافة في أبو ظبي.
أهمية الجائزة في الاهتمام بأعمال صاحبها، والمسؤول الذي يمد يده للمبدع بها كأنه لم يمنحها إذا لم يكن قارئاً نهماً، وعاشقا للكتاب، وصديقا للمكتبات، وزائرا وفيـّـا لها، وتصافح يدُه رفوفــَـها!

والشيخ عبد الله بن زايد ضاعف قيمة الجائزة بذكرياته مع أعمال الرائع أمين معلوف، وأعاد الضادَ إلى موطنها، وجعل ليون الأفريقي والبيروتي والباريسي يبتهج وهو في دولة عربية تحتضنه، وتفتخر به، وترفع من قيمة أعماله أمام العالم، وتقول للدنيا: هذا الرجل منكم، لكنه مــِــنــّـا أيضا.
إذا تناغمت السلطة والكتاب فالدولة بألف خير، وإذا رأيت كتاباً في يد مسؤول كبير فيمكنك أن تبحر داخل عقله أو تعرف بعضا من أفكاره، وفي حالتنا تلك تحتفل الدبلوماسية والثقافة والإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة بالحرف، فتروس المطابع التي يتناهى ضجيجها إلى أسماع السلطة تفترش الطريق لمستقبل آمن ونهضوي ومتطور.
الشيخ عبد الله بن زايد ضرب المثل هنا متمنياً أن يحذو حذوَه المسؤولون في كل مكان، فقيمة الجائزة لكاتب تبدأ في فكر المسؤول.
محمد عبد المجيد
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
طائر الشمال
أوسلو النرويج

الاثنين، 2 مايو 2016

مضت عشرون دقيقة في الإمارات!

مضت عدة دقائق ولم تعلن الإمارات عن مشروع أو افتتاح مركز علمي أو مسابقة للعلماء الصغار أو إبتكار جديد أو اقتحام مجال لم تدخله من قبل!
مضت عدة دقائق ودولة الإمارات العربية المتحدة لم تشهد مزيدا أو تعميقا أو تطورا في النهضة، فالدولة تطلق المفاجآت من كل حدب وصوب، وحكامها يتحركون كخلية نحل في كل شبر من أرض الدولة بالتزامن مع المشروعات الجديدة والإبداعات المذهلة.

مضت عدة دقائق ولم يشعر المواطن العربي بالغيرة الملازمة للمحبة، فهو يتابع دولة زايد، رحمه الله، وهو يتحسر على السلحفائية في بلده، إلا قليلا.
أشعر أحيانا بأن الكتابة غير قادرة على المواكبة، فقبل أن تنتهي من كتابة مقال عن حدث عظيم جلل في يوميات النهضة الإماراتية يكون قد مر عليه زمن، فتعيد النظر كـَـرَّتيـّـن فإذا بك أمام مشروع علمي أو ثقافي أو معماري أو إنساني أو إبداعي، ومن يظن أن النهضة تغفو فعليه بمتابعة الإمارات ليعيد تقييم رؤيته.

ظن الشامتون أن الإمارات في حربها ضد الإنفصاليين والحوثيين وأتباع الطاغية علي عبد الله صالح ستتراجع، وتشد الأحزمة على البطون، وترجيء أهم مشروعاتها، وتستغني عن الكفاءات، فإذا بها تضاعف نشاطها، بل تتحرك صوت دولة لا تحتاج للنفط، ولا تتكاسل أمام الذهب الأسود.
حكام الإمارات يتسابقون بمحبة شديدة في توجيهات تجعل كل إمارة جنة الدولة، ويتعاملون مع عصرنة النهضة كأن البداية كانت في أقدم العصور.
أنصحك أن تبتعد بين ألفينة والأخرى عن متابعة تطور هذا البلد العربي المفخرة، ثم تعود مرة أخرى بعد شهر أو اثنين، وسيصيبك دوار من مشهد كل ما فيه جديد.
هل سمعت عن شخص أقام في دبي أو أبو ظبي أو الشارقة أو عجمان أو غيرها من الإمارات السبع ثم شعر بحنين لوطنه وقرر العودة نهائيا؟
إذا أردت أن تكون الأسبق في نشر حدث إماراتي لم يشر إليه كاتب من قبل، فابدأ بالمستقبل قبل أن تتحرك جهة إماراتية، وستكون المفاجأة عصية على الفهم، لأن خيالك سيكون أكثر بطئــًــا من حقيقة المشهد المستقبلي وهو ينتقل إلى الحاضر قبل أن تقوم من مقامك أو..  قبل أن يرتد إليك بصرك.

سيقول قائل: هذه مبالغة في وصف أشياء غير موجودة، ويقول عاشق: هذه حقيقة، فالمستقبل يدخل أحشاء الحاضر بأسرع من البرق، وخيالك موجود في مكان ما، يطـَّـلع عليه أحد حُكام الدولة ثم يأمر بتنفيذه.
هذه الكلمات لوصف دولة عربية متحدة عرفت طريقها، وليس لديها وقت للنظر خلفها، فالشباب يمسكون بمفاصلها، والأحلام تتحقق بسواعدهم، والمستقبل ترسمه القيادة الرشيدة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو  النرويج