كل السرقات تنضوي تحت الحزام والحرام أو الممنوع أو المكروه أو التحايل إلا سرقات العقول عن طريق مشاعر قومية ووطنية، فالمسروق هنا يغادر وطنه في مكان ويدخل وطنه أيضا من مكان آخر.
دولة الإمارات أنهت عصر ديناصورات المهجر حيث يتم تقديم كل الإغراءات المادية والأدبية كما يحدث في أمريكا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، فخط العودة في الإمارات مفتوح، والهجرة ليست قطعا وانقطاعا، ويمكنك أن تشحن إقامتك بمشاعر عروبية وقومية فيها روح وطنك الأم، وتظل ما بقي لك من عُمر في الإمارات أو تغادرها متى أردت.
الإمارات لن تعرفها وأنت تنظر إليها من مسافة قريبة أو بعيدة ولو كنت نظارة مجسمة ترى بها كل الاتجاهات، وهي لا تحتاج منك إلا إلى زيارة قصيرة غير سياحية، تتجول، وتقابل، وتتأمل، وتقارن الفوائد والخدمات والحقوق والواجبات فضلا عن الوضع المادي والعائلي والمستقبلي.
كثيرون كانت الفكرة المسبقة التي يحملونها لا تخلو من رائحة النفط، ورعب الكفيل، ومعاملة فوقية، وتشدد ديني يتبعك أينما حللت، ويراقبك في نومك ويقظتك، ويحدد لك ملابسك وسلوكياتك من منطلق دعوي.
في السنوات القليلة الماضية فاجأت الإمارات جيرانها وعالمها والدنيا كلها بأنها تجري، وتلهث، وتسابق الرياح ولا تنظر خلفها.
والإمارات تخلصت من كل قيد في معصمها ظن رجال الدين أنهم سيتحكمون به في رؤيتها للمستقبل ولعلاقتها بالسماء، فإذا بالدولة تتحرر ومع ذلك تظل محتفظة بالثوابت الدينية والتقليدية والعُرفية التي لا تتناقض أوتتعاكس أوتتضاد مع النهضة والازدهار والتطور.
الإمارات ليس لديها وقت للاحتفال بالانجازات لأنه لن تمضي عدة ساعات حتى يصبح الإنجاز من الماضي، فمعركة الإبداع مسألة حياة أو ثبات الدولة في موقعها وصحرائها وأفكار أسياد الرجعية.
سبع إمارات تفتح أذرعها ليصبح هواك دبيانيا أو ظبيانيا أو فجيريا أو عجمانيا وتستظل برأس الخيمة أو تسند رأسك في الشارقة و تتأمل أم القيوين.
أنت تفكر، إذًا توكل على الله وولــّـي وجهك شطر الإمارات، فإذا كنت مبدعا في أي مجال فثق بأنها ستكون ملاذك الأخير دونما حاجة أن تبدأ رحلة البحث عن وجهة أخرى.
سباق أخوي وأليف ودافيء بين حُكام الدولة فيمن يستقطب قوى الإبداع، ويهيء لها كل الوسائل التي تجعلها لا تفكر لحظة واحدة في البديل، فالإمارات قامت فعلا بتوديع عصر السلحفاة منذ أكثر من أربعين عاماً، ومن أراد قوة دفع فروح المؤسس الراحل، الشيخ زايد رحمه الله، تضاعف سرعتك في العطاء ضعفين أو أكثر.
الإمارات توصلت إلى عبقرية النهضة وذلك بوضع ثقتها في حُكام الأرض بدلا من المتحدثين باسم السماء، فأضحت أقربَ إلى السماء منها للأرض.
لم يدر بذهن الأديبة فاطمة ناعوت بعد جوائز الإبداع في أستراليا وكندا أنها ستجد مفاجأة في دولة الإمارات، فكل المسؤولين يعيشون حدث الابتكار، وكل المبدعين تحتضنهم الدولة ولو كانوا غرباء ووافدين وزائرين، واكتشفت فاطمة ناعوت أن الإمارات لا تحكم بالسجن على من يقترب من تابوهات رجال الدين، وأن القضاء الإماراتي لن يحاسبها على رقة مشاعرها تجاه أضحية العيد، وأن الوطن هو الذي تترعرع فيه مشاعر الحب والصفاء، وأن ترابه لا يخيفك إذا مشيت فوقه، وأن ما تقدمه دول العالم الأول تستطيع الإمارات أن تقدم أكثر منه و.. يزيد.
اكتشفت فاطمة ناعوت الأديبة والشاعرة الإمارات وهي التي إن أرادت أن تجوب العالم كله ضيفة عزيزة مكرمة، واستثنت أرض الكنانة والقائمة السوداء في مطاراتها، فإن الإمارات قادرة على جعل شفتيها تنفرجان دهشة منذ وصولها وحتى المغادرة.
تزور مركز ( التوحد ) المتقدم والكبير، ثم تسمع فرحة أمين معلوف عبر ( موانيء الشرق ) مؤكدة أن بعض الهويات ليست قاتلة، فلا تنساه الإمارات في إحدى أهم جوائزها، ثم تنتقل من ضيافة إلى أخرى، ومن قناة فضائية إلى ندوة، ومن حوار إلى محاضرة، وكلما بحثت عيناها في ندوة وجدت كبار رجال الدولة هناك، فالمسؤول الذي لا يتواجد في مكان أدبي لن يستطيع تفهم العمل في مؤسسة علمية.
للحياء عبقرية اسمها الإمارات، لذا لم يفاتح أي مسؤول كبير الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قضية فاطمة ناعوت، رغم أن الرئيس لم يكن ليتأخر عن الإشارة بسبابته فتعود مبدعة مصر والضاد مرفوعة فوق الأعناق في مطار القاهرة الدولي، فاكتفت الإمارات بالترحيب الحار وكأنها أرادت أن تقول لمصر، إذا سجنتموها فحريتها على أرض زايد، وإذا تركتم الفكر الداعشي يحاسب حروفــَـها، فكل حروفـِـها في الإمارات لآليء تنير العقل والقلب.
في خضم إنشغالها بالعشق الإماراتي لم تنس رفع الــَــعلــَـم المصري في مباراة كرة القدم التي هي آخر اهتماماتها، فوصلت الرسالة بأن لها وطنيــّـن: قرأتها أبو ظبي وظنت القاهرة أنها مكتوبة على حجر رشيد.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 23 مايو 2016