الجمعة، 18 مارس 2016

الكتاب والسجادة الحمراء وحاكم الشارقة!

لا يُسعدني الحاكم العربي في قصره أكثر من سعادتي به في معرض للكتاب، وإذا تصفح كتاباً كأنه نظر في مستقبل شعبه، وإذا قرأه فالأفكار الجديدة أحجار في بناء النهضة، نظريا أو عملياً.
معرض باريس الدولي للكتاب الذي يرتاده مئتا ألف زائر يومياً علامة فارقة في تحضر الأمم شريطة أن يعرض المثمر والمفيد، وتفقــُـد حاكم عربي للمعرض أو لمكتبة قديمة أو جديدة في أي مدينة يعادل عندي مئة زيارة لمقر البعثة الدبلوماسية.
الشيخ سلطان القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مؤلف ومثقف وناشر وحاكم إمارة ومتابع جيد لهموم الوطن، وفي زيارته الباريسية لمعرض الكتاب اصطحب معه الدبلوماسيين وأعضاء السفارة والقنصلية فالحوار أمام الرفوف أجدىَ وأنفع من الحوارات في الصالونات الأنيقة.
حاكم الشارقة تمكن من ربط اسمه بالحركة الفكرية، ورغم أنه إماراتي وشارقي وخليجي، لكنه أيضا قومي الهوىَ، فيحدثك عن أحوال مصر ومشاكل تونس وأزمات العراق وأوجاع سورية ويوميات المغرب العربي كأنه ربطها بالخليج الدافيء والأمة العربية الواحدة.
حاكم الشارقة صنع إمارته من الكتاب، ووضع بصماته فوق تلك البقعة الساحرة من دولة الإمارات بعدما غمسها في حبر المعرفة، وهو لا يمر في المعرض على العناوين فقط، إنما يتصفح، ويبدي رأيه، ويضيف إلى مكتبه داره كنوزاً جديدة.
إذا اصطدم الحاكم بالكتاب فهزيمته لا ريب فيها، وإذا غض الطرف عن مطبعة أو دار نشر فلا فائدة في قراراته وأحكامه ورؤاه، والشيخ الدكتور سلطان القاسمي عاشق للكتاب، ويختار صفوته من المطالعين، وينصت بشغف للمفكرين، ويرى النهضة تبدأ من هنا .. من تروس المطبعة لضمان مسيرة صالحة وسليمة ومستقيمة ومزدهرة.
لا أصدق خطابا لزعيم لم يتغزل في كتاب، ولا يقرأ كل يوم ولو عدة دقائق، وليس على أنامله آثار حبر ولو كانت غير مرئية.
صورة حاكم الشارقة وهو يتجول في معرض باريس تصنع بهاء المشهد، وتُــغــْـني عن جزء كبير من التعريف بالمكان القادم منه، وهي أكثر انشراحا للصدر من سجادة حمراء فاقع لونها تُسر الناظرين وتمتد من المدخل إلى المخرج، فالعقول الكبيرة لا تفرح بالمظهر.
الشيخ الدكتور سلطان القاسمي بتفقده واهتمامه وحواراته ومناقشاته في معرض باريس للكتاب أثلج صدورنا في عالم يطارد أصحاب القلم قبل تجار المخدرات، ويراقب صدورهم لعل فيها أحلام الفكر التي تسعى للخروج والتمرد.
لن يقول مرتادو المعرض فقط أن الشارقة كانت هناك، إنما دولة الإمارات العربية المتحدة انتصبت بين دور النشر العالمية، فالإمارات السبع في النهضة إمارة واحدة، والصورة المشرقة لحاكم هي صورة تجمع أعضاء المجلس الأعلى ولو لم يكونوا ظاهرين في الحدث نفسه.
أثنى حاكم الشارقة على جناح تونس في معرض الكتاب الباريسي، والحقيقة أن الثناء لم يأت مصادفة، إنما جاء لدعم الموقف التونسي الفكري، فأبناء الشابي وأشقاء بوعزيزي في الذهن القاسمي آنذاك!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 18 مارس 2016

الخميس، 17 مارس 2016

حرب النسيان في الإمارات!


عندما تصمت المدافع فلا تغيب روح الشهيد، وتلك هي فلسفة القيادة الإماراتية في صناعة مستقبل لجيشها الوطني، ومن يدخل الحرب عن اقتناع، لا تتفاوض قياداته على قيمة الشهادة في الساحة.
تعيش الإمارات كأن السلام في أحشاء الدفاع عن الوطن، والحرب تختبيء خلف راية السلام، فالإماراتيون يرفضون تقليص قيمة الشهيد حتى لو انتهت الحرب على مائدة المفاوضات أو .. في ساحة الوغى.

كل إماراتي شهيد تحتفل الدولة بصعود روحه إلى بارئها، وجنتها، ورزق ربها، ومن يتابع المشهد الإماراتي في حرب تحرير اليمن من الحوثيين ورجال علي عبد الله صالح لا يخالجة أدنى شك في أن كل الإماراتيين متساوون فوق الأرض وتحتها، ولم يحدث أن تلقــَّــى أهل شهيد إماراتي إمارات وزيارات التعاطف والعزاء أقل من أخيه، وكل الشيوخ والمسؤولين لا يفرقون بين شهيد وآخر، بين عوائل شهيرة .. وأخرى أقل شهرة.

أكثر الجنود في المعارك الكبرى لا يخشون الموت أكثر من خشيتهم النسيان، والقيادة الرشيدة في دولة الإمارات العربية المتحدة ترفض فكرة تعميم الجندي المجهول على أبنائها، فكل جندي حالة خاصة من البقاء عبر التذكير، والزيارات، واطلاق الاسم على شارع، والحديث الإعلامي اليومي، واعتبار أهله في رعاية الدولة وقياداتها.
غياب جندي إماراتي وصعود روحه إلى السماء لا يمثل بداية النسيان، إنما إنتقال الشهيد من حالة الرؤية الجسدية إلى شفافية الروح الباقية.

ستتوقف الحرب إنْ عاجلا أو آجلا، وسيعرف الذين ظلموا أن الإمارات ليست دولة رفاهية تخشى التدمير، لكنها وطن يعيش الاثنين معاً: الموت والحياة!
كانت الحرب رسالة غير مباشرة يفهمها آيات الله أكثر من غيرهم، ورغم أن حرب اليمن بعيدة، ظاهرياً، عن الجزر الإماراتية المحتلة، إلى أن القيادة في الجمهورية الإسلامية فهمت أن الجزر الثلاث سيأتي زمن تحريرها مهما طالت سنوات تثبيت الأقدام الهمجية في أرض عربية.
أتمنى أن تنتهي الحرب اليوم قبل الغد، لكنني أرى الدرس واضحاً لقوى البغي، فنحن لا نسأل إن كان هناك احتمال ولو ضئيل للمنطق الآخر، فلا نجد ذرة واحدة منه، فمجرد التحالف الإيراني والطائفي مع الطاغية المخلوع علي عبد الله صالح يضع الحوثيين في دائرة الباطل.
حرب اليمن ستجعل الإيرانيين يفكرون مرتين قبل الاستهانة بالقوات المسلحة الإماراتية، ويفكرون مرة واحدة قبل قرار الإنسحاب، الفجائي، من الجزر الإماراتية الثلاث، فهو يوم يرونه بعيداً، ونراه قريباً.
القيادة الإماراتية نجحت نجاحاً باهراً في حرب النسيان، فكل شهيد هو وطن بشحمه ولحمه وروحه، والنسيان خيانة للتضحية، والجندي الإماراتي ليس مجهولا، وقد ضرب الشيخ محمد بن راشد والشيخ محمد بن زايد المثل بعمق التعاطف مع عوائل الشهداء!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 17 مارس 2016


الأربعاء، 2 مارس 2016

الإنسانية قبل القانون في الإمارات

الإنسانية قــبل القانون في الإمارات!


أول مرة قمت فيها بزيارة العاصمة البريطانية في صيف 1972، وكنت مندهشاً لقوة القانون في هيبة رجل الشرطة الذي كانت مهمته فضلا عن استتباب الأمن، الحصول للمهضوم حقوقه على كافة مستحقاته.

وقفت أراقب رجلا أوقف شرطيا طالبا منه المساعدة في استعادة حقه المالي من أحد المحلات التي خدعه صاحبها. تقدم الشرطي وقال للرجل بلهجة حاسمة لا تخلو من معرفة مسبقة أن المواطن صاحب حق دون الدخول في التفاصيل: اعطه ما أخذته منه بغير وجه حق!

في ثوان قليلة كان البائع قد أخرج مبلغاً وأعطاه لصاحبه دون أن ينبس ببنت شفة.

تلك كانت مهمة الشرطي في دولة القانون، ولكن ماذا عن الجانب الإنساني الذي أدخلته شرطة دبي في عهد الشيخ محمد بن راشد حيث طُرح منذ فترة سؤال: هل أنت سعيد في دُبي؟ وجاءت الإجابة من الحكم العادل نفسه: وزارة للسعادة!

عندما ترسل شرطة دبي من يساعد امرأة مسنة على الأمان، وأخذ تعهد على من يهددها بالاستيلاء على مسكنها، فهنا نصف السعادة.

وعندما تقوم الشرطة بين الحين والآخر بزيارة المرأة للتأكد أن أمانها ما يزال سارياً في دبي السعيدة، فهنا تكتمل الحلقة في دولة القانون والإنسانية.

ترسل شرطة دبي من يصطحب رجلا مسناً غير إماراتي للانصات لتخوفاته ومشاكله ثم تهدئته من أوهامه أن هناك من يتربص بنباتاته في الحديقة فهنا يكون عمل الشرطة إنسانياً قبل البحث عن جناة وجرائم وحوادث، مع ملاحظة أن مبعوثة الشرطة استغرقت عدة ساعات في المهمة الإنسانية حتى استعادت الرجل هدوءه وسكينته!

المدهش في الأمر أن مدير إدارة الرقابة الجنائية أراد إثبات حق المواطنة لمقيم أو وافد قضى جل عمره يعطي للدولة المضيفة شبابه وكهولته، فليس أقل من أن تعيد الدولة حقه الطبيعي في شيخوخته، أي الأمان وهو الطريق المختصر للسعادة.

دولة الإمارات العربية المتحدة أصبحت حديث الناس في كل مكان، بل لا أبالغ إذا قلت بأن حلم الهجرة لم يعد صالحاً كما كان من الأسمر إلى الأبيض، فالعكس هو الصحيح، فأوروبيون وأمريكيون يحلمون دبيانياً، فهذه الدولة التي تسابق الرياح لا تمنح للحالمين المال ورنينه فقط، الاستقرار والرفاهية، الشمس والبحر، إنما أعز ما يبحث عنه إنسان ما بعد الحضارة القلقة والمتمزقة والخائفة، وكما قال بريطاني وزوجته في برنامج تلفزيوني بأنهما لم يغلقا باب سكنهما في العامين المنصرمين لشعورهما العميق بأن دبي تمنحهما ما لا تعطيه أي مدينة صناعية متقدمة في العالم المتحضر.

كأني أسمع الشيخ محمد بن راشد يردد بأن التحضر هو السعادة!


محمد عبد المجيد

طائر الشمال

أوسلو في الثاني من مارس 2016