لا يُسعدني الحاكم العربي في قصره أكثر من سعادتي به في معرض للكتاب، وإذا تصفح كتاباً كأنه نظر في مستقبل شعبه، وإذا قرأه فالأفكار الجديدة أحجار في بناء النهضة، نظريا أو عملياً.
معرض باريس الدولي للكتاب الذي يرتاده مئتا ألف زائر يومياً علامة فارقة في تحضر الأمم شريطة أن يعرض المثمر والمفيد، وتفقــُـد حاكم عربي للمعرض أو لمكتبة قديمة أو جديدة في أي مدينة يعادل عندي مئة زيارة لمقر البعثة الدبلوماسية.
الشيخ سلطان القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مؤلف ومثقف وناشر وحاكم إمارة ومتابع جيد لهموم الوطن، وفي زيارته الباريسية لمعرض الكتاب اصطحب معه الدبلوماسيين وأعضاء السفارة والقنصلية فالحوار أمام الرفوف أجدىَ وأنفع من الحوارات في الصالونات الأنيقة.
حاكم الشارقة تمكن من ربط اسمه بالحركة الفكرية، ورغم أنه إماراتي وشارقي وخليجي، لكنه أيضا قومي الهوىَ، فيحدثك عن أحوال مصر ومشاكل تونس وأزمات العراق وأوجاع سورية ويوميات المغرب العربي كأنه ربطها بالخليج الدافيء والأمة العربية الواحدة.
حاكم الشارقة صنع إمارته من الكتاب، ووضع بصماته فوق تلك البقعة الساحرة من دولة الإمارات بعدما غمسها في حبر المعرفة، وهو لا يمر في المعرض على العناوين فقط، إنما يتصفح، ويبدي رأيه، ويضيف إلى مكتبه داره كنوزاً جديدة.
إذا اصطدم الحاكم بالكتاب فهزيمته لا ريب فيها، وإذا غض الطرف عن مطبعة أو دار نشر فلا فائدة في قراراته وأحكامه ورؤاه، والشيخ الدكتور سلطان القاسمي عاشق للكتاب، ويختار صفوته من المطالعين، وينصت بشغف للمفكرين، ويرى النهضة تبدأ من هنا .. من تروس المطبعة لضمان مسيرة صالحة وسليمة ومستقيمة ومزدهرة.
لا أصدق خطابا لزعيم لم يتغزل في كتاب، ولا يقرأ كل يوم ولو عدة دقائق، وليس على أنامله آثار حبر ولو كانت غير مرئية.
صورة حاكم الشارقة وهو يتجول في معرض باريس تصنع بهاء المشهد، وتُــغــْـني عن جزء كبير من التعريف بالمكان القادم منه، وهي أكثر انشراحا للصدر من سجادة حمراء فاقع لونها تُسر الناظرين وتمتد من المدخل إلى المخرج، فالعقول الكبيرة لا تفرح بالمظهر.
الشيخ الدكتور سلطان القاسمي بتفقده واهتمامه وحواراته ومناقشاته في معرض باريس للكتاب أثلج صدورنا في عالم يطارد أصحاب القلم قبل تجار المخدرات، ويراقب صدورهم لعل فيها أحلام الفكر التي تسعى للخروج والتمرد.
لن يقول مرتادو المعرض فقط أن الشارقة كانت هناك، إنما دولة الإمارات العربية المتحدة انتصبت بين دور النشر العالمية، فالإمارات السبع في النهضة إمارة واحدة، والصورة المشرقة لحاكم هي صورة تجمع أعضاء المجلس الأعلى ولو لم يكونوا ظاهرين في الحدث نفسه.
أثنى حاكم الشارقة على جناح تونس في معرض الكتاب الباريسي، والحقيقة أن الثناء لم يأت مصادفة، إنما جاء لدعم الموقف التونسي الفكري، فأبناء الشابي وأشقاء بوعزيزي في الذهن القاسمي آنذاك!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 18 مارس 2016