السبت، 19 أغسطس 2017

قاطِعوا "الجزيرة" ولا تقطعوها!


كان من المفترض أنْ أكون أنا أولَ الفرحين بسقوط صاروخ نووي يرسله كيم يونج أون مساءَ يوم ثلاثاء فيهبط في الاتجاه المعاكس فوق علبة الكبريت في الدوحة لأنني أولُ الذين تضرروا علانية في نهاية ابريل 2008 خلال أحقر وأقذر وأعفن وأخسأ وأنتن مصيدة يقوم بها إعلامي لإحراق إعلامي آخرعلى الهواء.

أكثر من تسع سنوات مرّتْ على يوم الغدر عندما تحالف صاحب الاتجاه المعاكس مع قوىَ الشر في أجهزة استخبارات عربية لتصفيتي ودفن "طائر الشمال" إلىَ الأبد، المطبوعة التي أرهقت طغاة وزعماء وإعلاميين وطابورا طويلا من الطوابير الخامسة.
لا مجال هنا للحكاية مفَصَّلة فقد حكيتها عدة مرات، رغم أنني وقفت على قدميَ بعدها، واستضافتني قنوات في القاهرة ولندن وبروكسل فضلا عن عشرات من الفيديوهات الخاصة، وآلاف المقالات بقلمي وصدر لي عشرون كتابا، لكن كثيرين يهيلون التراب عليها ويتذكرون يوم كبوتي وسقوطي وارتباكي لخمس وخمسين دقيقة في خطة خبيثة مُحْكَمة من فيصل القاسم ضرب خلالها كل قواعد الأخلاق والمباديء وطهارة العمل الإعلامي.
منذ اليوم المشؤوم لم أشاهد" الاتجاه المعاكس" لعدة ثوان إذا جاءني به الروموت كونترول مصادفة.
ومع ذلك، فأنا أطلب وأطالب بعدم وقف بث " الجزيرة" رغم أن الشيطان يعيث فيها فسادًا، ويقدم وجبات من الصدق والكذب مخلوطة فلا يستطيع المرءُ غيرُ الحصيف أن يفصل الغث من السمين، والاتجاه الصحيح من الاتجاه المعاكس، والحقائق من فبركة الاستخبارات.

قناة تلفزيونية متفرعة منها بعض القنوات المتخصصة والوثائقية والانجليزية والرياضية تُقدَّم إلينا على مائدة واسعة نختار منها ما نشاء، فنمسك مرات بالدسم ومرة بالسُم، مرات بالحرية الإعلامية ومرة بالعين الحمراء من ضباط قاعدة العيديد الأمريكيين، مرات باحتراف فاق المهنية ومرة بأكاذيب تمزق أيَّ اتحاد أو تجمع عربي.

قناة تلفزيونية تثير الشغب وتقلب الشارع العربي عاليه سافله، ثم تناصر المظاهرات والثورات والينايريات فتتعجب من مشهد ملائكة وشياطين يعانقون بعضهم البعض، فتلتزم الصمت في حيرة لا مثيل لها.
قناة تلفزيونية تستنشق قوى التطرف الإسلامي عبرها، فالجزيرة قادرة على بث مظاهرة إخوانية قديمة في شارع جانبي بقاهرة المعز فيتحول الخبر كأنه لمليونية غاضبة في عاصمة الألف مئذنة.
لا ينكر عاقل أن مذيعيها محترفون حتى النخاع، وجميلاتها مصدر إلهام لذكور المشاهدين، وأغبياؤها أذكى من أذكياء معظم القنوات العربية الأخرى، وحواراتها مدرسة في المهنية الإعلامية، ويطل من شاشتها مذيعون جنود في معركة يخوضها الحَمَدان تميمـيـًـا ولا ينقصها غير كلاشينكوف في نشرات الأخبار، وقنابل يدوية مع كل تحليل إخباري.
قناة يلعنها العرب ثم ينامون في أحضانها، يلهث خلفها المثقفون والضحايا، تستضيف إعلاميين ومسؤولين سابقين ووزراء ومتقاعدين واستراتيجيين يحلمون بمظروف أبيض يحتوى على أوراق خضراء عليها صورة رئيس أمريكي وتتفتح لها الأبواب.

قناة ويكيليكسية يأتيها الخبر من كل مكان، من بيشاور وجبال تورا بورا، من جبل المقطم ومن القصر العثماني بغرفه الثمانمئة، من سجن العقرب إلى مسارب اليمن، من الموصل ومن الرقة، من البيت الأبيض ومن البعثات الدبلوماسية في كل مكان.
قناة إخوانية بامتياز كأن محمد مرسي الأب الروحي لها. تبحث باشتياق عن بؤر الصراع لتنقل الخبر أحيانا، وتشعله أحايين أخرى.

ولكن صراعها العلني والخفي مع دولة الإمارات العربية المتحدة، فأبوظبي المنافس الأقوى في المنطقة، والشيخ محمد بن زايد ولي العهد هو الأصلب في مواجهة تيارات التطرف الديني، لكن نقطة انفجار الكراهية القطرية بدأت يوم أنْ نشرت دولة الإمارات قائمة بأكثر من ثمانين منظمة ومركز وتنظيم إسلامي، خاصة في أوروبا، فانكشفت الازدواجية الدعوية من جمعيات الإصلاح الخيري والاجتماعي والإسلامي.
الدوحة تعرف أن معركتها مع أي دولة عربية أو شقيقة سهلة، فإذا أمسك المالُ بيد الدين تضخمت قوة أي دولة تمسك الاثنين حتى لو كانت أقزم من جيري في مواجهة توم.

أحلام وطموحات الحمدين مشروعة إذا اقتصرت على حدود إقليمية، أما أن تمسك طهران وأنقرة وواشنطون منفاخا لتصنع من البالونة صاروخا يخيف جيران دولة قطر؛ فإن مجلس التعاون سينفرط عقده ولو بعد حين، رغم نجاح التجربة بفضل روح زايد، رحمه الله.
دول الحصار الثلاث لديها أدلة وشواهد وقرائن لسنوات طويلة على الدور الذي تلعبه دولة قطر لتفكيك المنطقة على نار هادئة، لكن السعودية والإمارات والبحرين أخطأت حين صمتت على ترك الإعلام المصري يشرح قضيتها، وينقل الحق الرصين إلى منطقة الردح والشتائم والسباب والأباطيل والانتقام الفج، فالإعلاميون المصريون في برامج التوك شو ليسوا أكثر من محامين فاشلين عن أي قضية عادلة.

عندما دخلت الفضائيات المصرية المعركة ضد قطر، خسرت دول الحصار الخليجية رغم أنها تمسك بأوراق قطرية هشة، ومئات الاثباتات على التعاطف القطري مع تيارات التطرف الديني.
عزة النفس بالمال ليست أكثر من حالة تعاظم وقتية، تنتهي مع أول أزمة نقدية أو نفطية، لكن الدوحة لم تفهم بعد هذه المعضلة.
دولة الإمارات بها قيادة حكيمة لا ترتمي في أحضان المعارك إلا أن تكون مضطرة، ولو لم يكن الحوثيون مرتبطين بمحتلي الجُزر الثلاث لما دخلت دولة الإمارات الحرب في اليمن.
دولة الإمارات تصنع الرفاهية والسعادة والابتكار والإبداع، ولا يظنن عاقل أنها تضحي بنصف قرن من التطور والنهضة من أجل مشاكسة آل ثاني.

أحيي الدور الرائد والفكري العميق وصاحب الحوارات البناءة الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية فهو يُذكّرني بالدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، فقد كان خط الدفاع الأول في حرب تحرير الكويت، وكانت كتاباته مدافع من العيار الثقيل.
لو تصالحت قطر مع جاراتها فسأكون أول الفرحين، أما لو تم إغلاق "الجزيرة" رغم ضخامة مساوئها ودورها في تأجيج الصراع فلن أشعر بأي بهجة أو سعادة أو نصر، لأننا سنخسر المثقفين والحكماء والمؤرخين في الغرب وأمريكا ومنظمات الإعلام الدولية.
من أراد أن يقاطع "الجزيرة" أو يختار ما يناسبه فهو القرار الصائب.
ومن أراد أن يفضح ضيوف القناة من المؤلفة قلوبهم، فسيُضْعـِـف الجانب التجاري والاستخباراتي والتطرفي.
أما من أراد إغلاق الجزيرة بحلوها ومرّها، بعبقرييها ومنتهزيها، بمحترفيها ومؤامراتها، بصوتيها القوي والنشاز، فنحن كلنا خاسرون.
"الجزيرة" ستربح المعركة إذا ناهضتها كل الدول العربية، لكنها ستخسرها إذا صارعتها دولة الإمارات بمفردها.

حتى الآن فالقاريء الغربي في حيرة، لكنه سينحاز إلى "الجزيرة" إذا تم توقيفها.
"الجزيرة" ربحت نصف معاركها بسبب حماقة وغباء وجهل ووصولية الإعلام المصري، فإذا تم اقناع مصر بأن تسحب إعلامييها من منصة أو شاشة الدفاع عن السعودية والإمارات والبحرين فستكون "الجزيرة" على مرمى حجر من الخسارة الأكبر.

مــحمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 19 أغسطس 2017