الجمعة، 9 يونيو 2017

من يتوقع غزوَ دولة قطر؟


لا أحب أن يتحول الإعلامي إلى مهنة التنجيم معتمدًا على ذاكرة ضعيفة لدىَ الجماهير إنْ أخطأ، وقوية لديه إنْ أصاب!
عبد الباري عطوان يكاد يرىَ بأم عينيه غزوًا لقطر تقوم به السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وقام ببسط رؤيته من كل جوانب الدولة المقاطــَـعة من جيرانها، فكأنه يسمع ضجيج المجنزرات والدبابات وأزيز الطائرات، فينقلها إلينا قبل وقوعها بعدة أيام.
كل الظروف المحيطة بالمنطقة تستبعد هذا الاحتمال لعدة أسباب:
·      لقد وصلت الرسالة إلى القيادة القطرية، رغم عزة النفس المنتفخة بأن قطر لا تخضع، ولا تتنازل.
·      إن الدول المقاطـِـعة لقطر لا تنقل معركة ضد إيران في اليمن إلى معركة في مساحة محدودة، تتحرك على أطرافها قوات الخليفة العثماني، وفي قلبها قاعدة العيديد، وبالقرب منها الحرس الثوري الإيراني.
·      إن غزوًا كهذا، كما يزعم الكثيرون من المحللين المنجمين، يعني دعوة ايران لغزو البحرين التي ما تزال في عـُـرف البرلمان الايراني قطعة مبتعدة، ومنشطرة عن الوطن الأم، رغم زيف وباطل وخزعبلات آيات الله في قـُم وطهران.
·      إن الإمارات والسعودية لا تعطيان أي فرصة للحوثي/صالح بفتح جبهة في دولة قطر الصغيرة تنتهي بخسائر التحالف العربي في اليمن.
·      في اليوم الرابع لقرار المقاطعة بدأ النظام القطري في معرفة حجمه رغم الجعجعة الفارغة وكأن روح كيم يونج أون انتقلت إلى جسد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فيهدد ويتوعد كل من يعاديه.
·      إن الاعتماد على ترامب خسارة فادحة قد تؤدي لنتائج اقتصادية وخيمة تُفلس الدولة الصغيرة.
·      إن احتمال الغزو غير وارد بالمرة فدولة الإمارات التي حاصرت منذ فترة التيارات الإسلامية المتطرفة، واضطرت تحت عدم اكتراث شقيقاتها بمقاطعة المراكز الإسلامية المصدرة للارهابيين للصمت قليلا، إلا أن الجميع، بما فيهم مصر، اكتشفوا أن القيادة الإماراتية كانت بعيدة النظر، وأنهم لو أنصتوا للتحذيرات الإماراتية بقص أجنحة قوى التطرف الداعشي والاخواني ومراكز تفخيخ العقل المسلم لما احتاجت دول المقاطعة إلى نشر قائمة بستين شخصية عامة واعتبارية يمكن الاستناد عليها لتحجيم كل قوىَ التطرف.
·      الإعلام لا يتحرك بدون المال، ودولة قطر تنفق كثيرًا على مثقفين وإعلاميين وفضائيين يلعبون بالفبركة كما يلعب الطفل بخياله، وتعرف الإمارات والسعودية أن الشروط الموضوعة لتجفيف منابع الإرهاب في قطر إذا استجاب لها الفرع الحاكم لآل ثاني فستعود الأمور إلى مجراها الطبيعي بعد قص أجنحة الغرور والكـِـبـْـر.
·      إن الإمارات والسعودية لا يمكنهما خسارة دولتين شقيقتين، هما سلطنة عُمان والكويت، في حال الغزو، فلن تنضم أي منهما للتحالف الجديد لأسباب معروفة.
·      إن محاولات التحريض من كبار مذيعي الإعلام المتسول لاحتلال قطر ستبوء بالفشل، والقيادة الحكيمة لدولة الإمارات تعرف أن أهم مشروعات القرن في السعادة والرفاهية والنهضة ستكون على مرمى حجر من الانهيار إذا قامت حرب يتحالف فيها الأتراك والايرانيون وميليشيات التيارات الإسلامية ضد الإمارات والسعودية والبحرين.
·      إن حكمة الاخوة في السعودية والإمارات والبحرين ينبغي أن لا تُنصت للإعلام المصري المهيــّـج لكل الأطراف، والمفبرك لكل الأخبار، والذي انتظر ثلاث سنوات لينتقم من القيادة القطرية حتى لو ورّط أصدقاء مصر.
·      إن انحياز عبد الباري عطوان للشيخ تميم لا يختلف عن انحيازه لصدام حسين عندما اقتحمت الأقدام الهمجية من الجار الشمالي دولة الكويت الصغيرة والمسالمة، فالتاريخ يعيد نفسه.
·      إن اشتراك مصر في حرب كهذه، مع وجود ربع مليون مصري، مجازفة أكبر من الحرب الحفترية في شرق ليبيا، فالوافدون والعمال والضيوف يدفعون في النهاية الثمن الكبير.
·      لقد أثبتت الأحداث وتطوراتها أن دولة الكويت تحتل مكانة عظمى في استتباب الأمن في الخليج، وآل الصباح الكرام ظلوا منذ الاستقلال ثم التحرير من الاحتلال العراقي الآثم الملجأ والملاذ لكل دولة تتعرض لاضطرابات أو قلاقل، لذا فلا يمكن أن تجازف الإمارات والسعودية والبحرين بعلاقة وطيدة ودافئة ونموذجية مع دولة الكويت في حال الغزو العطواني الخيالي، نفس الأمر ينسحب على واحدة السلام الأخرىَ .. سلطنة عُمان.
·      إنها مسألة وقت وتكون القيادة القطرية قد تعلــَّـمت الدرس، وعرفت أن الشقيق إذا غضب فأمواج الغضب العاتية لا تهدأ بين عشية وضحاها.
·      تبقىَ الخطوة الأهم وهي تجفيف منابع الإرهاب في الفتاوىَ التي يكتظ بها خليجنا العربي وتقودها الجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية وشقائق الاخوان وصانعو الدواعش في المساجد والمراكز والدعم السخي.
دولة قطر أمامها حل واحد وهو العودة للصف الخليجي، والتفاوض مع الأشقاء في الإمارات والسعودية والبحرين لتخفيف الشروط ليبقى للشيخ تميم بعض ماء الوجه، والتوقف نهائيا عن دعم الاخوان المسلمين في مصر وليبيا.
إن الجانب الإنساني في المقاطعة هو الذي يحدد سعة الصدر في المستقبل، وسرعة العودة القطرية لأحضان الأشقاء، وأن تــُـنهي قطر كل صور التعاون مع التهديدات الايرانية والحوثية والاخوانية والداعشية، فأموال شعبنا القطري لرفاهيته وليست لدعم التطرف باسم السماء.
إن الأيدي العابثة في ( الجزيرة) ألحقت بقضايا العرب والمسلمين والخليج خسائر فادحة، ومن شاشتها الصغيرة تنفست القاعدة وطالبان وداعش والاخوان والسلفيون والحاقدون على الخليج من ضيوف قطر الإعلاميين العرب.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 9 يونيو 2017


الثلاثاء، 6 يونيو 2017

قطر والخليج والإعلام المصري!


إذا أردت أن تخسر قضية رابحة فاجعلها بين يدي الإعلاميين المصريين في برامج التوك شو؛ وهم سيجعلونها قاعـًـا صفصفـًـا، وسيحيلون لغتها إلى قات، وتعبيراتها إلى بانجو، ومفرداتها إلى لغة يخجل منها الاثنان: المعجم و.. الشارع.

قردة ترقص على قرع طبلة قرداتي غير محترف، لكن حفيف أوراق النقد يلهب الألسنة، أما رنين الذهب.. فذهب بالوقار قبل أن يجلس الضيوف والمذيعون على مؤخراتهم في الاستديو.
لا يذهبن بك الظن أن ميزان العدل في السلطة الرابعة يعرف طريقه إليهم، فبين ليلة وضحاها يمكن لكل منهم أن ينقلب على عقبيه، ويسب ويلعن فيمن كان معبوده قبلها بعدة ساعات.

أزمة الخليج تحتاج إلى العقل والفكر والمعلومات غير المفبركة، وأيضا إلى باب نصف مفتوح حتى لو تمزقت كل الروابط ظاهريـًـا، فهناك أخوّة ومحبة وقرابة ومصاهرة وذكريات جميلة تمر بأبوظبي فدُبَي فالدوحة فجدة فالمنامة ثم تعود إلى عجمان فالخور فالدمام فالجميلية، وفي النهاية تجد وحدة خليجية مترامية الأطراف لا تنتهي بالربع الخالي، وتتبلل برذاذ صلالة معجونة بالحكمة العُمانية في حراسة الكويت .. بلد الأمن والأمان.

من ينكر الدور القطري في المشاكسة كأنه كان غائبا عن الوعي طوال حياته، فالقيادات القطرية، خاصة منذ يونيو 1995، انحازت إلى الباطل الديني الزائف، وظنت أن المال عصب الحياة و.. مفتاح الموت.
عندما زار الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن دولة قطر، واستضافه الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لم يعثر في الدوحة الجميلة ومثقفيها وجامعتها وأدبائها على شيء يبهر به ضيفَه، رغم أن قطر تمتلك من الكفاءات والمعالم العلمية والثقافية والطبية ما يجعل الأمير يفتخر، وضيفه يهنئه.
كل ما فعله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أنه جعل الرئيس الأمريكي يتجول في قصره المعمور بالخيرات والمقابض الذهبية والغرف المبهرة التي تكلفت مرتبات ضعف ما يحصل عليه العمال الوافدون في نصف عقد من الزمان.
عندما تريد دولة أن تكبر دون أن تمتد مساحتها ذات الشرق وذات الغرب، تبدأ في لفت الأنظار، وضرب التقاليد والعادات في عُرض الحائط، والإخلال بمواثيق واتفاقات مكتوبة أو ضمنية.

انحازت القيادات القطرية لجماعات التطرف الديني، واكتشف القصر أن المائدة العامرة تملأ بطن و .. رأس رجل الدين، فإذا زاد حسابه صفرا أو اثنين على اليمين فإنه قادر أن يؤمن بنبوة لم يزعمها سيده، لكنه انتفخ بها.
التيارات الدينية المتأسلمة وجدت طريقها إلى قطر، وكبرت في الجزيرة.
كل الفر اعنة يجلسون على رمال متحركة حتى لو حصلوا على تأييد قوى الشعب بكرباج السلطـة، أما الفرعون الديني فهو الأخطر لأنه قادر على أن يوحي للغوغاء أن القصر والسماء متحالفان، وأن المصحف والسوط توأمان، وأن الخليفة يستأجر الشعب للعمل لديه وليس العكس.

الفرعون الديني لا يحتاج لأكثر من عصا يهشّ بها على غنمه ورعيته، وإذا أراد اسكات منتقديه توجه إلى الصلاة جهراً حتى يراه أكبر عدد من رعيته فيــًـخـْـضـِـعون رؤوسَهم مرة أخرى.


الفرعون الديني يملك السلطات الثلاث ويزعم أن لديه أختاما سامية من رب العالمين، وأن علماء القرون الأولى يؤيدونه، وأنه استخار اللــه فثبــَّـته بالإيمان.


التيارات الدينية أثبتت أنها هي الداعم الأكبر لولي الأمر الطاغية، وأن مفهوم الدين لديها لا يخرج عن الطاعة العمياء، وأن المعترضين على الزعيم نصف الإلــَـه لا يغفر اللــه لهم.
لو فتحت إسرائيل ملفاتها السرية ستجد أكثر أصحابها يمسكون المصحف في أيديهم ويــُـقسمون عليه أنهم مجاهدون ومناضلون، وأن عملهم مع إسرائيل لم يكن أكثر من تعاون مع أولاد العم.

قبل أن تذبح شخصاً اقرأ الفاتحة وسيهتف الغوغاء بحياتك وتقواك وعبقريتك.
قبل أن تعلن كاليجاليتك الجديدة لا تنس أن تشير إلى إلهام جاءك من اللــه، ثم اترك القيادات الدينية تفسر للغوغاء كيف يدعم اللـه الطــغاة، وكيف تصنع السماء الديكتاتوريين.
الفرعون القديم مصنوع في المعبد، والفرعون الجديد في الإعلام الجبان.




الزلزال تشعر به الحيوانات قبل مَقدمه، والجحيم يحسّ به الشرفاء قبل حدوثه، أما تدمير وطن فتحتفل به القوى الدينية قبل وقوعه بوقت طويل.

لم تتنبه القيادات القطرية إلى أن أعضاء التيارات الدينية يملكون مخالب أكبر من الأظافر، وأنيابا أكثر من الأسنان.
كانت عبقرية القيادة الإماراتية حين أعلنت أسماء أكثر من ثمانين مركزًا إسلاميا يدخل فيها الدين فيخرج إرهابًا، ويتسلل إليها الدعاة فيدلفون منها مفخخين.
التيارات الدينية والإسلام الحقيقي شيئان متناقضان لا يلتقيان إلا مصادفة في بعض الشعائر، فالتيارات تكره الاسلام وتتغزل فيه، والإسلام أكبر منها جميعاً ولو ساندهم كل طــغاة الأرض.

الخليفة الجديد يحتفل بالمؤخرات العارية لمريديه، والأقفيه الملتهبة لمؤيديه، ومريدوه ومؤيدوه يتلذذون بكل صور العبودية الطوّعية، فأمير الجماعة وبنلادنها، وبشيرها، وظواهرها، وغنيمها، وبغداديها .. وكهنة المعبد يفكرون للجماهير قبل أن يجلدونهم أو يغتصبونهم!
طوال عشرين عاما و( الجزيرة ) تفكك المجتمع العربي من من بحره إلى أنهاره، وتدعم كل التيارات المتطرفة، وتستضيف القيادات القطرية كل الدواعش حتى قبل أن تتلوث أيديهم بالدماء.
مواقع التواصل الاجتماعي تتبارى في تحليل أسباب الغضب السعودي والإماراتي والبحريني على قطر، وتظنه جاء على حين غرة من آل ثاني، لكن الحقيقة، كما قال الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الإماراتية الخارجية وأحد أهم مفكري الخليج، بأن الصبر الإماراتي على مرمىَ حجر من النفاذ.
إنْ عاجلا أو آجلا ستعود قطر إلى الأسرة الخليجية، وسيشد الكبارُ أذن أميرها فليس كل من يغرد خارج السرب يستطيع الطيران.
مهما كانت الأسباب الأخرى مثل التحالف مع إيران، واستشارات عزمي بشارة، وزيارة ترامب، وتردد قطر، كما يزعمون، في الاستثمارات في أمريكا كشقيقاتها، ودعم الإرهابيين الإسلاميين في ليبيا ومصر وتونس واليمن، فإنني أرىَ أن شجاعة الشيخ محمد بن زايد في نشر قائمة بأسماء التيارات الإسلامية المفرخة للإرهابيين، خاصة في أوروبا، كان القشة التي قصمت ظهر الشيخ تميم.
أتمنى أن تؤتي الحكمة الكويتية أكلُها ضعفين، فمن غير الشيخ صباح يستطيع أن يتوسط في أحلك الأزمات، رغم قناعاتي العميقة بأن السلطان قابوس بن سعيد لو لم يحل مرضه، شفاه الله، بينه وبين الوساطة لنجحت في يوم وليلة وساطة الزعيمين: الكويتي والعُماني.
أتمنى أن يكتشف الشيخ تميم ووالده أن الغضب الإماراتي/السعودي يمكن أن ينهي حُكم آل ثاني في ساعات معدودات، لذا فالحل يكمن في قطع علاقات قطر بكل المنظمات الإسلامية والتيارات الدينية ومنع الدعم المالي عن المراكز الإسلامية في الخارج، وتعود قطر الشقيقة الصغرى غير المشاكسة.
إن الاخوة الفلسطينيين الذي أخطأوا في الأردن ولبنان والكويت سيفقدون آخر موطن لهم في الخليج إذا أصروا على حشر أنوفهم في قضايا الغير.
أكتب هذه الكلمات وثقتي كبيرة بحكمة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وقدرته على الوساطة؛ أما لو أصر الشيخ تميم أنه وإسلامييــه بلغوا الجبال طولا، وأن أموالهم ينوء بحملها أولو العصبة من الرجال، فلن أحزن على انفراط جزء صغير من العقد الخليجي، وسيظل شعبنا القطري في القلب ولا يتحمل مسؤولية قيادته الطاووسية.
أعود مرة أخرى إلى الإعلام المصري في الفضائيات مؤكدا للاخوة في الخليج بأن إعلام الريادة في عهود سابقة انتهى، وبقي إعلام الردح والابتزاز والسفاهة والجهل والحقد ودسّ إسفين بين الأشقاء.
مصر فخر للعرب، لكن إعلامها عار علينا جميعـًـا.
أيها الأشقاء الخليجيون،
سامحوني، فإعلام مصر لا يعبر عن أشقائكم المصريين، ولكن عن بلطجة ووقاحة ووضاعة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 7 يونيو 2017



الاثنين، 5 يونيو 2017

ماذا تريد دولة قطر؟

مر حين من الدهر كانت فيه قطر تسير بجانب الحائط، وتطرق خجلا، ولا تفرّق بين المرأة والدجاجة، وإذا هبــّـت عاصفة سياسية وضعت رأسَها في الرمال، حياءً أو خوفـًـا!
كان القطريون بهربون من السياسة إلى الأدب، ومن الناطحات إلى الغوص، فتساكنهم الملائكة بعيدًا عن الذاتية المتضخة.

كانوا يُسارعون لعمل الخير دونما حاجة لفحص الهوية الدينية التي انحصرتْ في مجلة أنيقة اسمها ( الأمة ) تنشر مقالات الشيخ محمد الغزالي وتسير بجوار ( الدوحة ) التي ينافس بها رجاء النقاش كل الفصليات الأخرى.
في أكتوبر عام 1992 ضرب زلزالٌ أرضَ الكنانة، فسارعتْ قطر بالمساهمة عن طريق ثلاث ليال احتفالية في حب مصر لدعم ضحايا الزلزال.

كنت أرىَ ملامحَ الطيبة على وجوه لوَّحتها شمس خليجية، فكان التواضع قبل المال، والأدب قبل الجزيرة، فجذبتْ قطر أشقاءها الخليجيين كأنهم أصبحوا أصحاب الدار.
وعرفتُ من بينهم الشيخ حمد بن سحيم آل ثاني، وعبد الرحمن سيف المعضادي( رحمه الله) وكان صاحب أكبر مكتبة صوتية لتسجيلات نادرة كان يهديني بعضها في كل زيارة.
في يونيو عام 1995 انقلبت قطر على أميرها؛ ثم انقلبت على ظهرها، ثم تخيل الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن الخليج برمته لا تسطع شمسه قبل أن يعطيها الديوانُ الضوءَ الأخضر قبل عدة سنوات من تحوِّله إلى الأصفر مع أربعة أصابع.
ماذا حدث في النفس القطرية فجعلها تنجذب إلى التيارات الإسلامية باخوانها وداعشيها، واستقطبت الدولة أكثرَ رموز التشدد والقبح وفي مقدمتهم وجدي إبليس غنيم رأس التحريض في التكفير وقطع الرؤوس؟

أحيانا تتغير سلوكيات الجماهير وفقا لمعارك خفية داخل القصر، وفي الدوحة تصاعدت روائح الشجار ببارفان السيدة قبل الأولى، فكلهن يرون فلذة الكبد أوّلىَ من أبيه بالعرش، ومن أخيه بالتاج، ومن جدّه بالحُكم كله.
ويأتي يونيو الحار 2013 بعد عشرين عاما من الاطاحة بالشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، رحمه الله، فتوقظ حرارة الشمس ببقعها السوداء الرغبة في الوثوب، وهذا ما ألفينا عليه آباءنا!
ويسافر الأمير الوالد كما فعل الأمير الجدّ، ويحتل الأمير الابن القصر بفعل العادة أو ..  الوراثة.
وتتخيل قطر أنه مع كل انقلاب عائلي يكبر الابن حتى يصطدم رأسُه بسقف القصر، فإذا جاء الدعم من سمو الشيخة الأم فسيطدم رأسه بالسماء الأولى.
تستطيع بالمال أن تقنع الشيطان بالنبوّة، والخادم بالسيادة، والجاهل بقــُــرب حصوله على جائزة نوبل للسلام؛ لذا استطاعت دولة (الجزيرة) المدفونة في أحشاء دولة قطر؛ على مبعدة عدة كيلومترات من قاعدة عسكرية للعم سام أن تستقطب مصريين وأردنيين وسوريين ولبنانيين وفلسطينيين ولم يبق إلا أن يقوم صدام حسين من قبره، ويحتل قطر، ويقف إعلاميو الجزيرة مع القائد المهيب.

وإذا كذب المال تمكن الإعلامي من تطويل لسانه، وفبركة أخباره، والتأكيد أن القرصنة حق مقدس تحميه قناة الجزيرة.
التواضع سمة العظماء في الأمم كما لدىَ الأشخاص، والفاتيكان الأصغر من شارع في شبرا المصرية هي أكبر من نيجيريا، والسويد تلعب دورًا يعادل مساحة ليبيا مئة ضعف، ومصارف لوكسمبورج تهز اقتصاديات عمالقة.
أنا لا أقلل من قيمة قطر مساحة وشعبا وقيما وثقافة، لكن طريق الإنسانية غير مُعبّد بالكتب المقدسة، والأحزاب الدينية تتسلم أموالا وتستبدل بها متفجرات وكراهية وحقدًا وطائفية.
إن من يحتمي بآيات الله في قــُــم يتدفأ بعمائمهم لكنه يظل عاريـًـا، وأن المجرم القاتي علي عبد الله صالح يُدبــّـر في الخفاء سوءً لقط ولكل دول الخليج ، وإن الحوثيين بأسلحتهم الإيرانية ليسوا أصحاب قضية وطنية، وإن روحَ الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني تنتقل في قطر من أمير إلى أمير وتحمل معها فكر المؤامرة.


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 4 يونيو 2017

السبت، 3 يونيو 2017

الجزيرة وسفير الإمارات و.. الضرب تحت الحزام


المعدن الأصيل يظهر في الخصومات، والإعلام الأمين يرفع رأسه أمام مفبركي الأخبار، والفروسية نُبـْـل قبل أن تكون شجاعةً، والخصامُ ليس فُجْرًا إذا كان التحضرُ هو الذي يقوده.
(الجزيرة) تستضيف وتصطاد، تعكّر صفوَ بحيرة هادئة فإذا بها تــُـلقي فيها قاذورات بحجة أنها توقظ النائمين.

قامت القيامة مرتين فيها: الأولى عندما أطيح بحُكم المرشد في مصر، والثانية عندما اكتشفت الدوحة أن سفير الإمارات في واشنطون تمكن قراصنة كمبيوتر من سرقة بريده الالكتروني، وسلــّـمه، أو باعه، أو قايضه القرصان لدولة عضو في مجلس التعاون الخليجي كأنه إشارة البدءبحرب باردة في الخليج الدافيء!
هل هناك سفير في عاصمة الاستخبارات والتجسس والــ" ف بي آي" يراسل حكومته ووزارة خارجيتها بأدق الأسرار من خلال بريد الكتروني يستطيع أصغر قرصان نـِـتّي أن يستولي عليه كما كان جيل آسانج يفعل بمئات الآلاف من الرسائل الدبلوماسية والحزبية وهو جالس مكانه أو ينتجع في السويد؟

لا أدري كم دفعت دولة قطر للقراصنة كي يجلبوا لها رسائل خاصة بسفير جيرانهم الأوفياء، وماذا ستستفيد من نشر تقارير ليست سرية أو رسائل عائلية أو تنظيم مواعيد ولقاءات؟
ثم إن القرصنة في حد ذاتها صورة قبيحة من النذالة، ومن يعتدي على حُرمة الهيئة الدبلوماسية كمن يتجسس لصالح الأعداء، ومع ذلك فـَـهـَـبْ أنها بطولة قطرية لحفظ ماء الوجه، وتهديد بقية أعضاء مجلس التعاون الخليجي أنَّ استخبارات قطر تقف لهم بالمرصاد تماما كما يفعل مرتضى منصور في مصر وهو يهدد خصومه بسيديهات مضروبة فيخشونه؛ ولو لم تكن على رؤوسهم بطحة!

كانت نداءات الإماراتيين كلها تدعو للمصالحة والتقارب والتفاهم وترك الباب مفتوحـًـا ليمر منه الأشقاء، لكن مستشاري السوء أوهموا أميرَ قطر الشاب أن نفطه وغازه وأمواله وعيديه تستطيع تضخيم الدولة وجعلها تنام على حِجْر إيران من ناحية وتمسك بيد الخليفة العثماني أمام البوسفور؛ فينام الأميرُ على صوت خالد مشعل أو اسماعيل هنية وهو يدق له أبواب الخليج كما فعل عندما اقتحم طاغية بغداد فَجْرَ جارته الصغيرة المسالمة.
سرقة البريد الالكتروني لرئيس بعثة دبلوماسية عمل مناهض لأبسط أخلاقيات الأخوة الخليجية، فإذا جعلت ( الجزيرة ) انتصار الدولة التي تخرج منها لصوصية وضيعة، فنتمنى أن لا تطالب قطر شقيقتها الكبرى الجمهورية الإسلامية بنقل السفارة القطرية إلى جزيرة طنب الكبرى نكاية في الإمارات.
خصام صبياني، ومكيدة غير أمينة لإثارة زوبعة وقلاقل لصالح القوى الدينية الداعشية التي تدعمها قطر ماليا وإعلاميا.
نتمنىَ الخيرَ لدولة قطر، لكن كل الدلائل تشير إلى أن سقوط الدولة، لا قدر الله، سيكون بيد قناة (الجزيرة)، فالدب يقتل صاحبه ولو كان يحتضنه أو يضع له على الأرض طعامه.

إن حرب القرصنة الالكترونية التي تقوم بها دولة قطر ترسم نهاية دولة بدلا من أن تجعلها تلهث خلف الوحدة الخليجية الاندماجية.
إن قطر لن تتحمل مؤامرات حمساوية واخوانجية وتركية مشدودة إلى الحرس الثوري الايراني، فالدولة، هكذا،لن تعيش حتى تحتفل بألعاب الأولمبياد.
(الجزيرة) كالثعبان الذي وضعه صاحبه في صدره ليدفئه؛ فإذا به يلدغه.
الشائعات التي ملأت سماءَ المنطقة وهي تبث سمومـًــا وفبركات وأكاذيب وأباطيل ضد دولة الإمارات العربية المتحدة سترتد على دولة قطر الصغيرة.
القيادات الإماراتية والمثقفون والإعلاميون في الإمارات تم اختبار صبرهم مرات عدة، لكن دولة قطر بلغت الجبال طولا وخرقت الأرض كقوة عظمى تستعد لغزو جيرانها من كل مكان.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 3 يونيو2017