الاثنين، 5 يونيو 2017

ماذا تريد دولة قطر؟

مر حين من الدهر كانت فيه قطر تسير بجانب الحائط، وتطرق خجلا، ولا تفرّق بين المرأة والدجاجة، وإذا هبــّـت عاصفة سياسية وضعت رأسَها في الرمال، حياءً أو خوفـًـا!
كان القطريون بهربون من السياسة إلى الأدب، ومن الناطحات إلى الغوص، فتساكنهم الملائكة بعيدًا عن الذاتية المتضخة.

كانوا يُسارعون لعمل الخير دونما حاجة لفحص الهوية الدينية التي انحصرتْ في مجلة أنيقة اسمها ( الأمة ) تنشر مقالات الشيخ محمد الغزالي وتسير بجوار ( الدوحة ) التي ينافس بها رجاء النقاش كل الفصليات الأخرى.
في أكتوبر عام 1992 ضرب زلزالٌ أرضَ الكنانة، فسارعتْ قطر بالمساهمة عن طريق ثلاث ليال احتفالية في حب مصر لدعم ضحايا الزلزال.

كنت أرىَ ملامحَ الطيبة على وجوه لوَّحتها شمس خليجية، فكان التواضع قبل المال، والأدب قبل الجزيرة، فجذبتْ قطر أشقاءها الخليجيين كأنهم أصبحوا أصحاب الدار.
وعرفتُ من بينهم الشيخ حمد بن سحيم آل ثاني، وعبد الرحمن سيف المعضادي( رحمه الله) وكان صاحب أكبر مكتبة صوتية لتسجيلات نادرة كان يهديني بعضها في كل زيارة.
في يونيو عام 1995 انقلبت قطر على أميرها؛ ثم انقلبت على ظهرها، ثم تخيل الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أن الخليج برمته لا تسطع شمسه قبل أن يعطيها الديوانُ الضوءَ الأخضر قبل عدة سنوات من تحوِّله إلى الأصفر مع أربعة أصابع.
ماذا حدث في النفس القطرية فجعلها تنجذب إلى التيارات الإسلامية باخوانها وداعشيها، واستقطبت الدولة أكثرَ رموز التشدد والقبح وفي مقدمتهم وجدي إبليس غنيم رأس التحريض في التكفير وقطع الرؤوس؟

أحيانا تتغير سلوكيات الجماهير وفقا لمعارك خفية داخل القصر، وفي الدوحة تصاعدت روائح الشجار ببارفان السيدة قبل الأولى، فكلهن يرون فلذة الكبد أوّلىَ من أبيه بالعرش، ومن أخيه بالتاج، ومن جدّه بالحُكم كله.
ويأتي يونيو الحار 2013 بعد عشرين عاما من الاطاحة بالشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، رحمه الله، فتوقظ حرارة الشمس ببقعها السوداء الرغبة في الوثوب، وهذا ما ألفينا عليه آباءنا!
ويسافر الأمير الوالد كما فعل الأمير الجدّ، ويحتل الأمير الابن القصر بفعل العادة أو ..  الوراثة.
وتتخيل قطر أنه مع كل انقلاب عائلي يكبر الابن حتى يصطدم رأسُه بسقف القصر، فإذا جاء الدعم من سمو الشيخة الأم فسيطدم رأسه بالسماء الأولى.
تستطيع بالمال أن تقنع الشيطان بالنبوّة، والخادم بالسيادة، والجاهل بقــُــرب حصوله على جائزة نوبل للسلام؛ لذا استطاعت دولة (الجزيرة) المدفونة في أحشاء دولة قطر؛ على مبعدة عدة كيلومترات من قاعدة عسكرية للعم سام أن تستقطب مصريين وأردنيين وسوريين ولبنانيين وفلسطينيين ولم يبق إلا أن يقوم صدام حسين من قبره، ويحتل قطر، ويقف إعلاميو الجزيرة مع القائد المهيب.

وإذا كذب المال تمكن الإعلامي من تطويل لسانه، وفبركة أخباره، والتأكيد أن القرصنة حق مقدس تحميه قناة الجزيرة.
التواضع سمة العظماء في الأمم كما لدىَ الأشخاص، والفاتيكان الأصغر من شارع في شبرا المصرية هي أكبر من نيجيريا، والسويد تلعب دورًا يعادل مساحة ليبيا مئة ضعف، ومصارف لوكسمبورج تهز اقتصاديات عمالقة.
أنا لا أقلل من قيمة قطر مساحة وشعبا وقيما وثقافة، لكن طريق الإنسانية غير مُعبّد بالكتب المقدسة، والأحزاب الدينية تتسلم أموالا وتستبدل بها متفجرات وكراهية وحقدًا وطائفية.
إن من يحتمي بآيات الله في قــُــم يتدفأ بعمائمهم لكنه يظل عاريـًـا، وأن المجرم القاتي علي عبد الله صالح يُدبــّـر في الخفاء سوءً لقط ولكل دول الخليج ، وإن الحوثيين بأسلحتهم الإيرانية ليسوا أصحاب قضية وطنية، وإن روحَ الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني تنتقل في قطر من أمير إلى أمير وتحمل معها فكر المؤامرة.


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 4 يونيو 2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق