الثلاثاء، 6 يونيو 2017

قطر والخليج والإعلام المصري!


إذا أردت أن تخسر قضية رابحة فاجعلها بين يدي الإعلاميين المصريين في برامج التوك شو؛ وهم سيجعلونها قاعـًـا صفصفـًـا، وسيحيلون لغتها إلى قات، وتعبيراتها إلى بانجو، ومفرداتها إلى لغة يخجل منها الاثنان: المعجم و.. الشارع.

قردة ترقص على قرع طبلة قرداتي غير محترف، لكن حفيف أوراق النقد يلهب الألسنة، أما رنين الذهب.. فذهب بالوقار قبل أن يجلس الضيوف والمذيعون على مؤخراتهم في الاستديو.
لا يذهبن بك الظن أن ميزان العدل في السلطة الرابعة يعرف طريقه إليهم، فبين ليلة وضحاها يمكن لكل منهم أن ينقلب على عقبيه، ويسب ويلعن فيمن كان معبوده قبلها بعدة ساعات.

أزمة الخليج تحتاج إلى العقل والفكر والمعلومات غير المفبركة، وأيضا إلى باب نصف مفتوح حتى لو تمزقت كل الروابط ظاهريـًـا، فهناك أخوّة ومحبة وقرابة ومصاهرة وذكريات جميلة تمر بأبوظبي فدُبَي فالدوحة فجدة فالمنامة ثم تعود إلى عجمان فالخور فالدمام فالجميلية، وفي النهاية تجد وحدة خليجية مترامية الأطراف لا تنتهي بالربع الخالي، وتتبلل برذاذ صلالة معجونة بالحكمة العُمانية في حراسة الكويت .. بلد الأمن والأمان.

من ينكر الدور القطري في المشاكسة كأنه كان غائبا عن الوعي طوال حياته، فالقيادات القطرية، خاصة منذ يونيو 1995، انحازت إلى الباطل الديني الزائف، وظنت أن المال عصب الحياة و.. مفتاح الموت.
عندما زار الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن دولة قطر، واستضافه الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لم يعثر في الدوحة الجميلة ومثقفيها وجامعتها وأدبائها على شيء يبهر به ضيفَه، رغم أن قطر تمتلك من الكفاءات والمعالم العلمية والثقافية والطبية ما يجعل الأمير يفتخر، وضيفه يهنئه.
كل ما فعله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أنه جعل الرئيس الأمريكي يتجول في قصره المعمور بالخيرات والمقابض الذهبية والغرف المبهرة التي تكلفت مرتبات ضعف ما يحصل عليه العمال الوافدون في نصف عقد من الزمان.
عندما تريد دولة أن تكبر دون أن تمتد مساحتها ذات الشرق وذات الغرب، تبدأ في لفت الأنظار، وضرب التقاليد والعادات في عُرض الحائط، والإخلال بمواثيق واتفاقات مكتوبة أو ضمنية.

انحازت القيادات القطرية لجماعات التطرف الديني، واكتشف القصر أن المائدة العامرة تملأ بطن و .. رأس رجل الدين، فإذا زاد حسابه صفرا أو اثنين على اليمين فإنه قادر أن يؤمن بنبوة لم يزعمها سيده، لكنه انتفخ بها.
التيارات الدينية المتأسلمة وجدت طريقها إلى قطر، وكبرت في الجزيرة.
كل الفر اعنة يجلسون على رمال متحركة حتى لو حصلوا على تأييد قوى الشعب بكرباج السلطـة، أما الفرعون الديني فهو الأخطر لأنه قادر على أن يوحي للغوغاء أن القصر والسماء متحالفان، وأن المصحف والسوط توأمان، وأن الخليفة يستأجر الشعب للعمل لديه وليس العكس.

الفرعون الديني لا يحتاج لأكثر من عصا يهشّ بها على غنمه ورعيته، وإذا أراد اسكات منتقديه توجه إلى الصلاة جهراً حتى يراه أكبر عدد من رعيته فيــًـخـْـضـِـعون رؤوسَهم مرة أخرى.


الفرعون الديني يملك السلطات الثلاث ويزعم أن لديه أختاما سامية من رب العالمين، وأن علماء القرون الأولى يؤيدونه، وأنه استخار اللــه فثبــَّـته بالإيمان.


التيارات الدينية أثبتت أنها هي الداعم الأكبر لولي الأمر الطاغية، وأن مفهوم الدين لديها لا يخرج عن الطاعة العمياء، وأن المعترضين على الزعيم نصف الإلــَـه لا يغفر اللــه لهم.
لو فتحت إسرائيل ملفاتها السرية ستجد أكثر أصحابها يمسكون المصحف في أيديهم ويــُـقسمون عليه أنهم مجاهدون ومناضلون، وأن عملهم مع إسرائيل لم يكن أكثر من تعاون مع أولاد العم.

قبل أن تذبح شخصاً اقرأ الفاتحة وسيهتف الغوغاء بحياتك وتقواك وعبقريتك.
قبل أن تعلن كاليجاليتك الجديدة لا تنس أن تشير إلى إلهام جاءك من اللــه، ثم اترك القيادات الدينية تفسر للغوغاء كيف يدعم اللـه الطــغاة، وكيف تصنع السماء الديكتاتوريين.
الفرعون القديم مصنوع في المعبد، والفرعون الجديد في الإعلام الجبان.




الزلزال تشعر به الحيوانات قبل مَقدمه، والجحيم يحسّ به الشرفاء قبل حدوثه، أما تدمير وطن فتحتفل به القوى الدينية قبل وقوعه بوقت طويل.

لم تتنبه القيادات القطرية إلى أن أعضاء التيارات الدينية يملكون مخالب أكبر من الأظافر، وأنيابا أكثر من الأسنان.
كانت عبقرية القيادة الإماراتية حين أعلنت أسماء أكثر من ثمانين مركزًا إسلاميا يدخل فيها الدين فيخرج إرهابًا، ويتسلل إليها الدعاة فيدلفون منها مفخخين.
التيارات الدينية والإسلام الحقيقي شيئان متناقضان لا يلتقيان إلا مصادفة في بعض الشعائر، فالتيارات تكره الاسلام وتتغزل فيه، والإسلام أكبر منها جميعاً ولو ساندهم كل طــغاة الأرض.

الخليفة الجديد يحتفل بالمؤخرات العارية لمريديه، والأقفيه الملتهبة لمؤيديه، ومريدوه ومؤيدوه يتلذذون بكل صور العبودية الطوّعية، فأمير الجماعة وبنلادنها، وبشيرها، وظواهرها، وغنيمها، وبغداديها .. وكهنة المعبد يفكرون للجماهير قبل أن يجلدونهم أو يغتصبونهم!
طوال عشرين عاما و( الجزيرة ) تفكك المجتمع العربي من من بحره إلى أنهاره، وتدعم كل التيارات المتطرفة، وتستضيف القيادات القطرية كل الدواعش حتى قبل أن تتلوث أيديهم بالدماء.
مواقع التواصل الاجتماعي تتبارى في تحليل أسباب الغضب السعودي والإماراتي والبحريني على قطر، وتظنه جاء على حين غرة من آل ثاني، لكن الحقيقة، كما قال الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الإماراتية الخارجية وأحد أهم مفكري الخليج، بأن الصبر الإماراتي على مرمىَ حجر من النفاذ.
إنْ عاجلا أو آجلا ستعود قطر إلى الأسرة الخليجية، وسيشد الكبارُ أذن أميرها فليس كل من يغرد خارج السرب يستطيع الطيران.
مهما كانت الأسباب الأخرى مثل التحالف مع إيران، واستشارات عزمي بشارة، وزيارة ترامب، وتردد قطر، كما يزعمون، في الاستثمارات في أمريكا كشقيقاتها، ودعم الإرهابيين الإسلاميين في ليبيا ومصر وتونس واليمن، فإنني أرىَ أن شجاعة الشيخ محمد بن زايد في نشر قائمة بأسماء التيارات الإسلامية المفرخة للإرهابيين، خاصة في أوروبا، كان القشة التي قصمت ظهر الشيخ تميم.
أتمنى أن تؤتي الحكمة الكويتية أكلُها ضعفين، فمن غير الشيخ صباح يستطيع أن يتوسط في أحلك الأزمات، رغم قناعاتي العميقة بأن السلطان قابوس بن سعيد لو لم يحل مرضه، شفاه الله، بينه وبين الوساطة لنجحت في يوم وليلة وساطة الزعيمين: الكويتي والعُماني.
أتمنى أن يكتشف الشيخ تميم ووالده أن الغضب الإماراتي/السعودي يمكن أن ينهي حُكم آل ثاني في ساعات معدودات، لذا فالحل يكمن في قطع علاقات قطر بكل المنظمات الإسلامية والتيارات الدينية ومنع الدعم المالي عن المراكز الإسلامية في الخارج، وتعود قطر الشقيقة الصغرى غير المشاكسة.
إن الاخوة الفلسطينيين الذي أخطأوا في الأردن ولبنان والكويت سيفقدون آخر موطن لهم في الخليج إذا أصروا على حشر أنوفهم في قضايا الغير.
أكتب هذه الكلمات وثقتي كبيرة بحكمة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وقدرته على الوساطة؛ أما لو أصر الشيخ تميم أنه وإسلامييــه بلغوا الجبال طولا، وأن أموالهم ينوء بحملها أولو العصبة من الرجال، فلن أحزن على انفراط جزء صغير من العقد الخليجي، وسيظل شعبنا القطري في القلب ولا يتحمل مسؤولية قيادته الطاووسية.
أعود مرة أخرى إلى الإعلام المصري في الفضائيات مؤكدا للاخوة في الخليج بأن إعلام الريادة في عهود سابقة انتهى، وبقي إعلام الردح والابتزاز والسفاهة والجهل والحقد ودسّ إسفين بين الأشقاء.
مصر فخر للعرب، لكن إعلامها عار علينا جميعـًـا.
أيها الأشقاء الخليجيون،
سامحوني، فإعلام مصر لا يعبر عن أشقائكم المصريين، ولكن عن بلطجة ووقاحة ووضاعة.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 7 يونيو 2017



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق