لماذا فشلت كل صور الوحدة العربية، الجماعية والثنائية والثلاثية، لكن إتحاد الإمارات العربية حقق نجاحاً باهراً وثابتا ومتيناً، وإتحاد دول مجلس التعاون الخليجي حقق نصف النجاح؟
أنا أرىَ أن التجانس الجغرافي والتاريخي والثقافي فضلا عن القيادات الواعية لضرورة الالتحام هي أسباب حقيقية وواقعية، ونصفُ النجاح الخليجي يعود سببه إلى ما حققته دولة الإمارات العربية المتحدة من إتحاد وصل إلى يقين أبناء الإمارات السبع أنهم ينتمون إلى دولة واحدة.
أمر طبيعي أن تكون هناك بعض العقبات أمام إتحاد خليجي يماثل الإتحاد الإماراتي، فهناك الحيرة في رغبة آخرين في الإنضمام في فترات سابقة، مثل العراق والأردن واليمن، وهناك الضعف الذي كان سيصيب دول المجلس من جراء إنضمام دول شقيقة، لكنها غير متجانسة على كثير من الأصعدة.
أي أن الإنضمام كان يعني اختراق ثقافي ومذهبي من أنظمة حُكم متضادة ومتعاكسة مما كان سيسبب إنشقاقات تضعف ولا يقوىَ بها الإتحاد.
القبلية اليمنية والفساد في العراق وسهولة الاختراق الإسرائيلي عبر الأردن كانت ستقضي حتما على الإنسجام الوحدوي بين دول المجلس بتوسعاته الجديدة.
حكمة القيادات في المجلس ساهمت في رأب أن تصدع، وفي إعادة من يغرد خارج السرب إلى قواعده حتى لو تمرد بين الحين والآخر، كما حدث مع دولة قطر، والواقع يؤكد أن دول مجلس التعاون الخليجي ينبغي أن تلتحم أكثر بدلا من البحث عن أعضاء جدد يشقون صفوفها ولو عن حُسن نية.
دول المجلس تحتاج إلى عُملة موحدة، وسياسة أكثر تفاعلا مع الخارج كدولة واحدة وليس إتحاداً لا يتحمل الثغرات، وقبل كل شيء إنهاء كل صور التطرف الديني الناتج عن الفتاوى الفجة التي يتقاذفها الدعاة ورجال الدين، وأيضا محاولات الاستعلاء المذهبي، فإذا تمكن الخليجيون من تحصين أنفسهم ضد هجمات الجيران المذهبية، وأخص بالذكر العراق واليمن وإيران، فإن مجلس التعاون يمكن أن يظل متماسكاً، لكنه لن يصل إلى درجة التماسك بين الإمارات السبع في دولة الإمارات العربية المتحدة.
لو سُئـِـلت عن تمنياتي الخليجية والتي كتبت عنها مرارا وتكراراً لوضعت الوحدة بين دولة الإمارات وسلطنة عُمان في المقدمة التي تفتح الباب على مصراعيه لدولة خليجية كبرى، ثابتة، ثرية، غير مسموح بالطائفية فيها، أو بأعضاء البرلمان، مجلس الشورى وغيره، للحديث عن تمييزات في المعتنق وتفرعات العقيدة.
عندما يختفي عالم الفتاوى الضعيفة والفجة والمذهبية، فأغلب الظن أن الجزء الأكبر من العقبات في طريق الوحدة الخليجية الكبرى يكون قد اختفى تماماً.
إن دعم الاستبداد أو غض الطرف عنه أو تقويته ولو بصورة غير مباشرة سيعود بالضرر على مستقبل المنطقة برمتها، فعلي عبد الله صالح لم يكن صناعة الخليج أو العالم العربي أو الغربي أو حتى القات فقط، لكنه وطوال أكثر من ثلاثين عاماً كان صناعة الصمت والمجاملات، ولو نجح شيطان بغداد في ابتلاع الكويت، لكان ديكتاتور اليمن الآن الرجل الثاني في جمهورية الرعب!
تجربة دولة الإمارات الناجحة، بفضل توريث الحكمة من الشيخ زايد، رحمه الله، ينبغي أن تكون نُصب أعين القادة الخليجيين، والبداية من هنا .. من منع كل صور الدعوات الطائفية والمشاعر الفوقية، رغم أن ذلك لا يعني الإنتقاص من الشيعة أو السنة أو الإباضية أو الوهابية أو غيرها.
إن فتح ثغرة شيعية إيرانية، مهما صغرت، في الجسد الخليجي يتحملها من يظنون أنفسهم جزءًا من الجمهورية الإسلامية، وفتح ثغرة مثلها داعشية سُنيّة تعيش بقوة الفتاوى هي معول هدم لتقصير عمر الإتحاد الخليجي.
قناة ( الجزيرة ) لم تكن عامل توحيد دول مجلس التعاون الخليجي حتى لو وقفت مع دول التحالف ضد الحوثيين والمخلوع علي عبد الله صالح، ويجب الحذر فالإعلام الصديق يمكن أن يحمل في أحشائه الفُرقة الخفية، والسموم غير المرئية!
إن احتياطي أموال الأجيال القادمة في الكويت، وفكر ما بعد النفط في الإمارات، وقرار الملك سلمان بن عبد العزيز بالاستعداد لحقبة ما بعد النفط أيضا بألفي مليار دولار خطوات حكيمة تمنح الأمان لأجيال لن ترى الذهب الأسود، لكنها ستعيش سعيدة بأموال تركها لها الآباء والأجداد.
وسيظل الإتحاد الإماراتي السُباعي، بروح المؤسس الراحل الشيخ زايد، وسام الشرف في جبين الأمة العربية، والنموذج الذي يمنحنا الأمل في اتحادات أخرى، ثنائية وثلاثية حتى يأتي يوم تختفي فيه الحدود بين كل الدول العربية.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 2 ابريل 2016