جبل الجليد يكبر، لكنه يُخفي أضعافَ ما يظهر منه. دولتان خليجيتان كان من المفترض أن تكون الوحدة الأوروبية مثلا يحُتذىَ به رغم عشرات الاختلافات بين دول شهدت منذ سبعين عامـًـا يوم القيامة الأبيض فانقلب إلى الأسود وغضب على الأخضر فأرسل ضميره العبري يستوطن قلب الأمة العربية.
ومع ذلك فأوروبا الموحدة، رغم تغريد عاصمة الضباب بعيدًا، تتوحد على قلب رجل واحد .. أعني امرأة واحدة.
وكان من الممكن أن تتحرك الحكمة في الديوان الأميري، فالدوحة لديها النفط والمال والغاز والبنتاجون، ولم يعد أمامها لمضاعفة الرفاهية غير استلهام عبقرية الصف الواحد من الراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وأعني هنا طلب الانضمام لدولة الإمارات العربية المتحدة لتصبح قطر الإمارة الثامنة في أنجح تجمع وحدوي عرفته أمتنا العربية منذ عصر النهضة.
كانت أذرع قادة الإمارات مفتوحة كأن الجزء المنشق والغائب الحاضر والمغرد خارج السرب سيطرق باب دولة السعادة والرفاهية والتقدم، لكن تجري بعضُ الرياح بما تشتهي قُــم على الجانب الآخر من الخليج الأكثر دفئـًـا من القلوب.
شفافية معارك الإمارات لتحديد وتقزيم وتحجيم خصوم الوطن جعلت القيادة الرشيدة ترفع رؤوس النعام من رمال الخليج لترىَ أنَّ الجمعيات الدينية المتزمتة والمتشددة، لكن على قلوبٍ أقفالها.
دولة قطر اختارت غطاءَ الدينَ قبل أصالة الوطن، تماما كما فعلت كل المليشيات المسلحة التي تمسك المصحفَ بيد، والسلاحَ بيدٍ أخرى فلا يدري المرءُ إذا كانت الطلقة باسم الله أو باسم المرشد.
أخطأت الدوحة عندما ظنت أن خلافها مع الرئيس السيسي سيجعلها دولة عظمىَ، تماما كما يفعل كيم يونج أون وهو يتحدىَ الولايات المتحدة ليخيف كوريا الجنوبية.
لو تسلل إلى القصر الأميري رأسٌ عاقلٌ حين نشرت أبوظبي قائمة بأسماء الجمعيات الإسلامية المنخرطة في الإرهاب، وأكثرها في أوروبا، لهرع أمير قطر إلى جارته وعقد معها معاهدة سلام لا إسلام، معاهدة ضد الإرهاب المتأسلم وليس التحالف ،قرضاويــًـا، مع كل من يتنفس برئتي داعش.
قطر اختارت فجأة الجمهورية الإسلامية في خليط عجيب مع الوجود الأمريكي في قاعدة العيديد، وأصبح أميرُها المتحدث الرسمي لجماعة الاخوان المسلمين.
كان صبرُ الإمارات عظيمـًـا، فالمغردون القطريون خارج السرب يملكون حق المراهقة في عمليات المشاغبة، وتصاعد ضباب الرؤية الغائمة فلم يتبين لهم الفارق بين معاركهم لاستعادة الرئيس المعزول محمد مرسي وبين أُخــُـوّة خليجية لا تنفصم عراها.
استعراض العضلات القطري أمام السعودية والإمارات عواقبه وخيمة، وأي انقلاب أميري في الدوحة لن يختلف عن سابقيه: يونيو 1995 في غياب الشيخ خليفة .. ويونيو 2013 في حضور الشيخة الأم، وسيتسابق أمراء وطنيون قطريون لو شاهدوا الضوء الأخضر من الرياض وأبو ظبي، لكن السعودية والإمارات لا تلعبان في الخليج من وراء الظهر، وترفضان كل صور التآمر على الشقيقة الصغرىَ.
الإمارات تقف في وجه أطماع خامنئية في اليمن، واستمرار احتلال الجزر الثلاث، فإذا أرادت الدوحة التحالفَ مع طهران فكأنه إعلان حرب طائفية تثير القلاقل في الخليج برمته.
دولة قطر في أمسّ الحاجة للسلام قبل نصف عقد من الألعاب الأولمبية عام 2022، وهي الآن في حماية دول مجلس التعاون الخليجي، فإذا انشق الصف فقد تأتي من حيث لا ندري فضائح أولمبية تــُـنهي الحُلم القطري و الكابوسَ المزمن للعمال الآسيويين.
كتبت من قبل: ( لا تختبروا صبر الإماراتيين)، وأكرر هذا التحذيرَ قبل أن ينفرط العقد الدافيء في خليجنا العربي.
تحالفات قطر هشّة وضعيفة وتعتمد على المؤلفة قلوبهم حتى لو اختبأوا خلف المصحف الشريف، فرائحة البارود كرائحة الشائعات، والساحة لا تتسع لمعارك جديدة.
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 29 مايو 2017