الجمعة، 17 نوفمبر 2017

الإمارات لا تحارب الإسلام؛ بل تحارب التطرف .. قراءة في تصريحات وزير التسامح

الإمارات لا تحارب الإسلام؛ بل تحارب التطرف
قراءة في تصريحات وزير التسامح

حرب ضروس تتعرض لها دولة الإمارات العربية المتحدة منذ أن عرّت وكشفت سوءات دعاة التطرف باسم الإسلام، زيـفـًا، خاصة في الغرب، حيث ترتع القوىَ الدينية التي أساءت للمسلمين أكثر مما أساء لهم خصومهم.
وزير التسامح الشيخ نهيان مبارك آل نهيان وضع النقاطَ فوق الحروف، وصرَّح بما لم يتجاسر أو يجرؤ غيره من المسؤولين في العالم العربي أن يقترب من لُب القضية، والضلع الأعوج في النشاطات الإسلامية، أو التي تتخفى وراء الدين الحنيف.

ليست كل المساجد في أوروبا لوجه الله، ففيها تنمو، وتتوسع، وتترعرع مدارس التشدد، والكراهية، وقد رأيت بنفسي طوال 45 عاما عشتها ما بين بريطانيا وسويسرا والنرويج أشياء يشيب لها شعر الولدان.
احتيال ونصب وتطرف مخيف كان يكتفي منذ أربعين عاما بالنصب على الدول الخليجية، ولم يكن جيل الإرهاب قد استوىَ بعد.
كانت الأمور دعوية تشدّ أزرَها أموالُ النفط، وكثير منها عن حُسْن نيــّـة خاصة تلك التي تدعمها الدولة.

وأتذكر عندما استقبلني في الكويت وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد سعد الجاسر، في السادس من ديسمبر 1982، وقص عليَّ من نبأ قدرة الجماعات الإسلامية في أوروبا على تزيين، وزركشة طلبات المساعدة المالية لبناء المراكز والجمعيات والمساجد فيبدو الطلبُ معقولا، شكلا وموضوعا، حتى لو كان طالبو الدعم من محترفي الاحتيال. فإذا جاء من جمعيات في دول أفريقية فقيرة، يكمل الوزيرُ، فإن احتمال الرفض واردٌ، فليس من المعقول مراقبة آلاف الطلبات من العالم كله.

قرأت دستور جماعة الاخوان المسلمين في أغسطس عام 1965 بواسطة أستاذ العلوم في مدرستي بالاسكندرية، وكان مسؤول القسم العقائدي في الجماعة.
فهمت بعد فترة عدم استيعاب المبدأ التاسع الذي يقول: احرص على أن لا يقع القرش إلا في يد أخيك المسلم!
دعوة متطرفة ومفرّقة لأبناء الوطن، وكنت أصغر من فهمها فور الاطلاع عليها.

أول مرة ألتقي برئيس جمعية كانت في نوفمير 1973 بالمركز الإسلامي في جنيف خلال اقامتي التي استمرت في سويسرا أربع سنوات، أي مقر جمعية الاخوان المسلمين، واستقبلني الدكتور سعيد رمضان، ودار الحديث حول اعتقالات أغسطس 1965 وكذلك حول بعض الكتب ومؤلفات سيد قطب والمودودي والندوي.
المرة الثانية استضافني في بيته لإلقاء محاضرة عن المسلمين في النرويج الشيخ عبد الله العلي المطوع، رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت،( التابعة أيضا للاخوان المسلمين ( 1982 )، وفي هذا العام بالذات كانت جمعيات النصب والاحتيال تنشط في الخليج، وتستغل طيبة وسذاجة الكثيرين، وأكثرهم أهل خير وكرم، تحت اسم مساعدة المراكز الإسلامية في أوروبا ضد الهجمة الصهيونية والصليبية(!) فسُمع رنين الدينارات والريالات والدراهم الخليجية في معظم دول أوروبا، حتى أن أكثر الأموال لم تكن تصل إلا إلى رؤساء المراكز الإسلامية.

وعندما كان هناك مشروع بناء أول مسجد في أوسلو بضمان السفير جمال نجيب، عن حُسْن نية قطعا، أرسلت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت الدكتور فؤاد العُمر مدير بيت الزكاة والشيخ نادر النوري لمعاينة احتياجات المركز وجدّية المشروع، واكتشفا أن مجلس الإدارة المكوّن من خمسة أشخاص اختلس المبلغ الذي رصده البنك لبدء المشروع طمعا في الأموال التي ستنهال عليه. وتم وقف المشروع الاحتيالي، وخسر البنك حوالي ربع مليون دولار قام مجلس الإدارة بشراء خمس شقق تحت مسمّى ( مكاتب لأول مسجد في أوسلو).

كل هذا ولم يكن جيل الإرهاب قد اشتد عوده بعد، فالمال إذا سدّ الفم؛ أبطأ حركة اليد التي تمسك السلاح.
في 16 ديسمبر 1990 طرح رئيس أحد المراكز الإسلامية على الشيخ سلمان دعيج الصباح، وزير العدل الكويتي الأسبق خلال محاضرته عن الاحتلال العراقي للكويت بجامعة أوسلو سؤالا عن ( السعودية التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية) وكان السائل رجلَ إيران الإسلامي في أوسلو، والغريب أنه نفسه الذي طلب بعد عامين من هذا اللقاء مساعدة مالية سعودية لمركز إسلامي إيراني كما أبلغني سفير السعودية آنئذ في الدانمرك.

بعد الغزو العراقي للكويت وانتشار مظاهرات عربية وإسلامية داعمة للطاغية صدام حسين في عدوانه الآثم ضد جارته الصغيرة المسالمة توطئة لاحتلال دول الخليج العربية؛ كشّرت قوى الإسلام السياسي عن أنياب تنبيء بما انتهى إليه الحال في تربية أجيال مسجدية بدأت قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية من مسجد ميونيخ المدعوم من وكالة الاستخبارات الأمريكية.

كانت الوقاحة قبل بلغت حدّها الأقصى في سبتمبر 1990 عندما قام المسجديون في العاصمة الدانمركية بمظاهرة مدعومة بأموال الخليجيين الطيبين والساذجين والخيــّـرين وحملت لافتات ضد الملك فهد، رحمه الله، ومكتوب عليها: خائن الحرمين الشريفين، رغم أنه لم يتأخر عليهم في دعم أو مساهمة، لكن الطمع في أموال حزب البعث العربي الإشراكي، فرع بغداد جعل لعابهم يسيل.

تتهم المنظمة العربية لحقوق الإنسان دولة الإمارات بتحريض الدول الأوروبية ضد المسلمين ونشاطاتهم الإسلامية الخيرية ومساجدهم المخصصة للعبادة فقط(!).
الحقيقة أن موقف الإمارات ضد النشاطات المشبوهة كان هو الأشرف والأصرح، ولو وقفت الدول العربية والإسلامية مع أبوظبي عندما تم نشر أسماء المراكز والمنظمات المشبوهة لكان الإرهاب قد فقد جزءًا كبيرا من قوته وعنفواته وغلظته.

وزير التسامح الإماراتي، الشيخ نهيان مبارك آل نهيان، أعاد الكرة إلى ملعب الدول الأوروبية التي تفتح صدورها لأجيال صغيرة من الإرهابيين بحجة القانون الديمقراطي.
ألم يُحرّض أبو حمزة المصري في شوارع عاصمة الضباب ضد غير المسلمين حتىّ اضطرت بريطانيا لتسليمه لواشنطون؟
في الظاهر يبدو تصريح وزير التسامح الإماراتي كأنه موجه للمسجديين حسبما ترىَ الرؤيا الساذجة؛ فإذا تأملنا في التصريح وجدناه معبرًا تماما عن التسامح، وعن سياسة الإمارات في قطع دابر قوى الإرهاب والتطرف والتشدد.

لو غادرت الجماعات المتطرفة دولة قطر فقد كسب العالم نصف المعركة ضد الإرهاب الدولي، وهذا يتوقف على اقتناع نظام الحُكم في الدوحة بأن هؤلاء سيتعاونون مع أعداء قطر كما تعاون غيرهم مع قوات الاحتلال العراقية إبان غزوها للكويت.
إنني أثمّن، وأحترم، وأقدّر شجاعة الشيخ نهيان مبارك آل نهيان، وأرىَ بُعد نظره في استشفاف مستقبل متأرجح بين عناد مضيفي جماعات التأسلم المزيف، وبين سذاجة خليجية تظن أن مساهمتها في المراكز الإسلامية بعَشْر أمثالها في الآخرة!

دولة الإمارات العربية المتحدة على الطريق الصحيح في محاربة الفكر المتطرف، وعلى الدول العربية كلها أن تحذو حذوها، فالدواعش في الصدور، والفتاوى الدينية خط الدفاع الأول عن الإرهاب، وإسلامنا العظيم لم يعد في حاجة لدعاة أكثر من حاجته لقوىَ الاستنارة والتسامح.
تحية لدولة الإمارات، وأخص بالذكر الشيخ نهيان وزير التسامح، فقد أربكت تصريحاته خصوم الدولة من الأعداء والأشقاء والجيران و.. المسجديين في أوروبا.

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 17 نوفمبر 2017
Taeralshmal@gmail.com



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق