الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

من أين يأتي الإماراتيون بهذه الأفكار؟


نهضة أي دولة لا تتحقق بالأفكار المجردة، المتحفية، النائمة في أدراج مكاتب المسؤولين، ولكن في خروجها إلى النور، ثم البحث في تطبيق أفضلها، ثم المرور عبر الشفافية!
كثيرون يظنون أنها نهضة عمرانية فقط، وعمارات شاهقة، وأبراج تناطح السحاب، وفنادق للحالمين، لكن الحقيقة أنها نهضة فكرية مواكبة للتقدم العُمراني، حتى لو تأخرت بعض الشيء لأن المادة تستند إلى المال وهو بفضل الله وفير، أما عالم الفكر والثقافة والفنون فينتظر من يبحث عنه وليس العكس، ومن يتطلع إلى برج خليفة ليس كمن يبحث عن مجلة دبي الثقافية!
إنتخابات المجلس الوطني الإتحادي نموذج لأهم التحديات القادمة وفي مقدمتها الشفافية وسنّ قوانين صارمة وعادلة ومتحضرة من أجل الناخب والمرشح وسير العملية الديمقراطية في طريق لا يلتفت يمينا ولا يتردد شمالاً!
ينتابني إحساس جميل لم يدر بذهني قط أن دولة عربية ستجعل أي إنتخابات عرساً حقيقياً وليس أوامر من القصر وترديدات من الإعلام وبهجة مزيفة، إلى أن تابعت عبقرية تحقيق الفكرة على أرض الواقع في دولة الإمارات.
فالمرشح أمامه حسم من الدولة بأن لا يتجاوز إنفاقه على حملته الانتخابية أكثر من مليوني درهم، فكسر هيبة المال هي الخطوة الأولى لإبعاد الفساد والرشوة وشراء الأصوات عن العملية الانتخابية برمتها، والإنفاق ليس من مال عام أو أموال الحكومة، فالشعب لا ينفق على مرشح ليمثله، والبذخ الانتخابي بداية الطريق إلى الفساد المتمثل في تقييد المرشح ليصبح مديناً لمن ساهم في نجاحه.
الدولة تمنع التأثير على الناخب والتي تجري قبالة مراكز الاقتراع،  فالسلطات الإماراتية تعلم جيدا أن الاختيار قد يكون في اللحظات الأخيرة قبل أن يضع الناخب قدمه في اللجنة، وأن التأثير القبلي والديني والعشيري يكون دائماً قادرا على تحويل فكرة مسبقة إلى عكسها لو همس شخص أو صديق أو سمسار أصوات أو صاحب أيديولوجية معينة ومحددة الأهداف في أذن الناخب.
الصمت الإنتخابي لم يعد من حق المرشح، لكنه حق مطلق للناخب، فإذا كانت مدته يومين فقط فالإختيار يصبح قناعة شخصية من أجل الاثنين معاً: المرشح والناخب.
الثقافة البرلمانية تفسح الطريق لبرلمان صحي قائم على حُسن الاختيار بعد تطبيق القواعد العلمية والعملية، مع دعم كامل من كل أجهزة الدولة، ولقطع الطريق على أي ندم لاحق في حالة سوء الاختيار.
التمكين السياسي يجعل الجميع على قدم المساواة في تسيير دفة الحُكم، فصناعة القرار التي تبدو ظاهريا كأنها فردية أو حاكمية هي في الحقيقة قائمة على وعي الناخب وأمانة المرشح وسلطة الدولة وتسهيل كل السبل أمام الديمقراطية .
يبقى كشف الحساب الذي يجب تقديمه إلى الإمارة حتى يتم التأكد من نزاهة مصادر التمويل، وتصفية وغربلة كل درهم يُنفق على الحملة، فالعدالة في الترشح تقابلها مساواة في الإنفاق.
سلطة الدولة تحدد شفافية الإنتخابات، فإذا انسحبت في أي بلد فقد تركت الناخب في مهب الريح، وفتحت ثغرة، ولو عن غير قصد، لسماسرة التصويت، لذا فإن الانتخابات هذه المرة، بعد 2006 و 2011 تنبيء بقدر كبير من النجاح الديمقراطي، وذلك بفضل تدخل الدولة التنظيمي وليس الإنحيازي.
في اعتقادي بأن التكاتف الوطني الإماراتي إثر استشهاد ثلة من شباب الدولة الأبرار سيعطي دفعة قوية للمشاعر الوطنية التي تصب في صالح الشفافية، فالحزن أيضا شفافية ومطهر لأي شوائب تمس الخيارات في رسم صورة مستقبلية للوطن.
ليس كل رحيل يصبح غياباً، فرحيل الشهداء زاد من ( إماراتية) المواطن، بل أكاد أزعم أن الوافد الضيف يمكن أن يلتصق بالوطن المضيف عندما يشعر بأنه لم يعد الضيف الذي ينتظر يوم يعود إلى وطنه الأم، إنما القناعة بأن الخطر مشترك، ليس فقط في الحروب، إنما في الحلم المستقبلي .. وفي المقدمة الانتخابات!  
 

محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 9 سبتمبر 2015
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق