الاثنين، 7 سبتمبر 2015

لــهــذا كلنا إماراتيون!


الموت ليس نهاية، فقد أثبتت الإمارات أنه بداية الالتحام الأصيل، فالراحل باقٍ، وحبات تراب الوطن لا تتناثر بعيداً إذا عصفت بها الرياح أو الأزمات أو الأحزان.
 عجيب أمر حكام الدولة فقد تمكنوا من صناعة رباط مقدس مع أفراد الشعب كأن كل فرد أضحى زايداً ولو من جيل الأحفاد!
من يراقب جيداً العزاء الدافيء من حكام الإمارات وأبنائهم يشعر أن هناك إتحاداً جديداً قائماً على المرحلة الثانية، أي التحام وطني يصل مداه في تحويل المواطنة إلى صلة رحم، وهي مرحلة لا تصل إليها إلا قلة من الشعوب على مدىَ التاريخ الإنساني.
 
سبق هذا التشابه الشكلي الذي تمخض عن تشابه فكري وطبيعي، لهذا تجد تلك الظاهرة بوضوح سا
 
طع في الإماراتيين بخلاف معظم الشعوب، فقد تعرف المصري من هيئته، والفلسطيني من لكنته، واللبناني من عمله المنفرد، والسوري من خوفه، والعراقي من توجسه، والجزائري من تحفزه، والكويتي من حريته، والمغربي من تردده، والسوداني من صبره على القهر، والليبي من عدم ثقته بك للوهلة الأولى، والأردني من قدرته على التكيف السهل، والعُماني من سلاميه الداخلي والخارجي، أما الإماراتي فقد توصلت عبقرية الإتحاد إلى خلق تشابه خارجي يعادل في وضوحه التشابه الداخلي.

يمكنك أن تأخذ عينة عشوائية من ثلاثة مواطنين من كل الجنسيات العربية، بما فيهم الخليجية، وتجعلهم يصطفون امامك بملابسهم الوطنية أو الإفرنجية، ولا أحسب أنك ستخطيء في التعرف إلى الثلاثة الإماراتيين المتشابهين، تقريباً، في كل شيء!

في يقيني أن السبب هو التدرج الوحدوي، النفسي والعاطفي والمكاني والزماني، مع مثل أعلى لا يختلف عليه اثنان.

ثم جاء الحزن المفاجيء في استشهاد خمسة وأربعين من حُماة الوطن الأبرار، فأسرع الحزن بضم أي اختلاف شكلي إلى الهوية الوطنية، وهذا لاحظناه في عشرات اللقاءات الدافئة بين حكام الإمارات وأهالي الشهداء وأقارب الجرحى.
لم تكن ابتسامات أو دموع مجاملة كما اعتدنا أن نراها في عشرات الحوادث المتشابهة في كثير من دول العالم، لكنها رسم حقيقي لما في القلوب.
الموت كما قلت ليس نهاية أفراد، إنما بداية أجيال تتنفس عبر أرواح من ضربوا المثل في التضحية خارج أو داخل الوطن.
المعارضون يتباكون، زيفاً، على الجنود الإماراتيين الشهداء، ولكن هل كان هناك خيار آخر إلا أن تنتظر الإمارات أن يأتيها الخطر تحت أقدام نهضة لو تهشم جزء منها، تداعت له سائر أجزاء الدولة بالسقم والضعف.
لا ريب في أن خطأ الصمت على الإرهابي علي عبد الله صالح تتحمله كل الدول العربية التي لم تهتم بمعهد ومؤسسات الاستشراف المستقبلي للخطر، فكل خطبة في السنوات العشرين المنصرمة تثبت أن ديكتاتور اليمن كان على استعداد لهدم المعبد على الجميع.
كان المفترض أن خروجه من الموت أو من العجز التام والتشويه الكلي في مستشفيات المملكة العربية السعودية يجعله عارفاً لذوي الفضل ما قاموا به من أجله، ولكن التاريخ تكرر، وكلما ساعدته دولة انقلب عليها لاحقاً، فالجنوبيون وثقوا به فاصطادهم، والسعودية أعادت تأهيله نفسيا وجسدياً فغدر بها، والكويت أنشأت له مؤسسات الدولة فوقف سفيره في مجلس الأمن يعاضد صدام حسين.
كتبت كثيرا من قبل عن خوفي على نهضة إماراتية في كل شبر، وزايد في كل حبة تراب، وطمع جيراني، بعيد أو قريب، يشبه طمع عمر حسن البشير في ذهب الكويت، فساند طاغية بغداد!
الإمارات صاحبة أنجح إتحاد عربي جعل السبع واحدة، والمؤسس الأكبر، رحمه الله، كأنه لم يرحل قط.
في الأزمات ينبغي أن يظهر معدن الصديق، والدولة التي رفضت أن تُسمىَ ( الإمارات الخليجية المتحدة) واختارت ( الإمارات العربية المتحدة) تستحق أن يهتف العرب: كلنا إماراتيون)!


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 7 سبتمبر 2015


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق