الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

الأذن تعشق قبل العين أحياناً .. إذاعة الشارقة!


الأذن تعشق قبل العين أحياناً .. إذاعة الشارقة!
 
منذ سنوات كنت أسافر إلى دولة قطر وذهني مشغول في كل زيارة بما أعده لي وكيل وزارة الإعلام المساعد لشؤون الإذاعة والتلفزيون عبد الرحمن سيف المعضادي، رحمه الله، فقد كانت لديه مكتبة صوتية نادرة تجعل المرءَ إذا خُير بين عينيه وأذنيه فإنه لا يتردد في اختيار حاسة السمع قبل كل الحواس الأخرى!
يستقبلني بابتسامة جميلة ودافئة، وأنا متلهف لصوتياته فيضع أمامي كاستات، مثلا، محاكمات المهداوي في العراق، وتسجيل القرآن الكريم بصوت أم كلثوم وغيرها الكثير، بعدها أشعر أن زيارتي لـ ( قطر) حققت نجاحا كبيراً أهم من لقاءات مسؤولين كبار!
الذين تخطــَـوا من العُمر نصف القرن تلقوا تربيتهم في مدرسة الإذاعة، وتخصبت خيالاتهم وهم يضعون آذانهم بالقرب من المذياع تاركين للخيال مهمة السباحة في رسم الصور والأشخاص والمناظر الطبيعية والحب والغزل والمعارك والغضب، وحتى الدين يُعيدون تفسيره بعيداً عن وجوه الدعاة والشيوخ.
إذاعة الشارقة تحتفل بعيد ميلادها الثالث والأربعين وتجدد حفاوتها بتاريخ جميل ورائع وتربوي وفني كما أكد الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للإعلام، وأن سحر الإذاعة وتأثيرها وقدرتها على جعل المتلقي يصنع الصورة في داخل النفس المتأثرة لتعيش معه كما رسمها وليس كما بثها التلفزيون.
حتى أول كلمات عبر الأثير كانت في 31 أغسطس 1974 إذا استعدتها يقشعر جسدك جمالا ورهبة، فالنوستالجيا صوتية أيضا، وهذا كان يوما مشهودا شهد له الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلىَ حاكم الشارقة الذي افتتح الإذاعة، واستمعت الدولة كلها إلى ( إذاعة الإمارات العربية المتحدة من الشارقة ).
أتذكر كأنه بالأمس يوم أن افتتحت ( إذاعة صوت العرب من أوسلو على الموجة إف إم 103,9 ) في منتصف يونيو عام 1987 وظللنا صديقي العراقي وأنا نذيع الأخبار إلى أن اختلفنا إثر الغزو العراقي للكويت، ووقفت أنا بجانب الكويت، وتعاطف هو مع صدام حسين وقال لي: هذا جنوبنا وقد عاد إلينا! أغلقتُ الإذاعة في 3 سبتمبر 1990 وفي نفسي حزن شديد، ولم أستعدها مرة أخرى!
إذاعة الشارقة تاريخ، ورمز لنجاح إتحاد، وتربيةُ أجيال هذبت الصوتيات آذانها وألسنتها، وهي تلعب دورها حتى الآن بقوة لا تقل عن التلفزيون، رغم أن مستمعيها يقاومون إغراء الصورة والتقارير التلفزيونية والحوادث فضلا عن دخول الإنترنيت في صف الفضائيات.
الإذاعة هي الوقار، والرزانة، وكثيراً هي الرشد والنضوج!
الإذاعة تشبه رجلا يرتدي أجمل ما لديه، ويتعطر بريحان ومسك وعنبر، لكنك لا تراه لأنه يخاطب روحك عن طريق أذنيك، أما التلفزيون فقد لا تكترث لنصف ما يبثه لأنَّ المــُــطـِّـلين عليك من شاشته شغلوك بهيئتهم واكسسواراتهم وساعاتهم الذهبية وضيوفهم المتأنقين كأعمدة كهرباء صلبة تتحرك أعلاها أنوار كاشفة، تضيء لك لكنها لا تخاطبك!
إذا أحببت بقصيدة شعرية فعليك بالإذاعة لأنها تخترق شغاف القلب، أما التلفزيون فيسرق نصف أبيات القصيدة لصالح من يجلسون في الاستديو!
وإذاعة الشارق تتجدد بفضل اهتمام الشيخ سلطان بن محمد القاسمي فقد تبناها، وأحبها، وتغزل فيها، وعانقها، وجدد شبابها في 15 نوفمبر عام 2000، بل وأعطى توجيهاته لوضع عشرات البرامج التي تناسب مستمعين يحاط بآذانهم وأعينهم من التلفزيون والإنترنيت والآي فون والآي باد، لكن حاكم الشارقة يتعامل مع الإذاعة كأنها جاءت لتوها من الزمن الجميل وتنتظر بصماته عليها.
وجاءت بصماته بعد تخطيط ودراسة مع الأخذ بعين الاعتبار المنافسات الصورية، التلفزيون والانترنيت، لكن أصالة الإذاعة تبقى من أصالة مؤسسها وراعيها وعاشقها، فتحرك 24 برنامجاً إبداعيا ومميزاً ليتصدرالمشهد الثقافي الشارقي فيضيف للدولة بُعداً جديداً، قد أشار إليه سمو الشيخ زايد، رحمه الله، عندما جعل هذه الكلمة، أي الأصالة، مرادفة للتطور و.. ليس للثبات والسكون!
عبقرية الإتحاد هي الجمع المتوازن بين كل إمارة والدولة، فهي حالة إلتصاق حر، ورباط مقدس لكنه يتحرك في الإطار المرسوم له وحدوياً، وكل أصالة لأي واحدة من الإمارات السبع تعود إليها وإلى الإتحاد بنفس القــَــدْر و .. وعين الهوية وذات الدولة.
إذاعة الشارقة مدرسة في ثقافة الأذن، وبصمات الشيخ سلطان بن محمد القاسمي تنطق، وتبدع على أثيرها منذ ولادتها حتى الآن .. مع عيدها الثالث والأربعين!
 
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 15 سبتمبر 2015


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق