السياسة
الخارجية امتداد لمتانة الدولة وصلابة
مؤسساتها، وهي أيضا نافذة على العالم
كلما اتسعت؛ استفادت بها السياسة الداخلية.
في
دولة الإمارات العربية المتحدة يسير
جيلان متجاوران، من بعيد لا ترىَ فرقا
بين العشرينيات والستينيات، بين من حنكته
التجارب ومن يخطو خطوات أولىَ، فإذا
اقتربتَ، وسمعتَ، وراقبت، ورصدتَ؛ فستجد
دروسا مجانية يلقيها الكبار على مسامع
الصغار بغير مسّ أواستعلاء أو فوقية،
فهذه هي الدولة التي صنعت وزارة للسعادة
أرفقتها بوزارة للشباب وأفسحت المجال
للابتكار ليقود أجيالا شابة إلى عالم
جديد تمامـًــا.
الدكتور
أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية
حالة خاصة من الذكاء المتوقد، والمعلومات
الإنسيابية، والمعرفة المتدفقة من رحم
الثقافة والدبلوماسية والقراءة والكتاب
والمتابعة الدقيقة، فإذا تحدث؛ فعليك أن
لا تتنفس لئلا تفوتك معلومة أو فكرة أو
رأي.
يعرف
قضايا بلده كما يعرف أصابع يده، وهو لا
يكتفي بأصدقاء الإمارات فقط، إنما يفند،
ويتابع خصوم الدولة فإذا دافع فهو مهاجم،
وإذا هاجم فيعرف نقاط ضعف المتآمرين على
جنة الخليج.
ظنت
إيران وحزب الله والحوثيون أن دولة
الإمارات غير قادرة على خوض كل الحروب في
وقت واحد، ساحة القتال في الخارج،
والدبلوماسية في مكوك لا يتوقف، ودولة
السعادة في الداخل.
الدكتور
أنور قرقاش يعرف أن الخطر القائم يأتي من
التفسيرات الدينية والمذهبية والطائفية،
وهو يتحدث عن الأخطار الثلاثة دون أن
تتغير نبرة صوته حتى لا يظن به أحد ضعفا
أمام حراس الثورة الإسلامية أو خطابات
الشيخ حسن نصر الله أو الجنون الحوثي
المركب في قُم، والمهووس في صنعاء.
يعرف
أن خط الدفاع الأول هم شهداء الإمارات،
فيكتسب من أرواحهم الطاهرة مع روح المؤسس
الأكبر، الشيخ زايد، رحمه الله، شجاعة
في قول كلمة حق في مواجهة تيارات تضع
المقدس في فوهة المدفع فيغيب الوعي وتظهر
مفاتيح الجنة كما حدث إبان الحرب
العراقية/الإيرانية.
يضع
الشرطَ الذي يعرفه كل إمارتي، مسؤول أو
مواطن، وهو أن على إيران التوقف عن التدخل
في شؤون جيرانها، وهو شرطٌ بسيط وعادل
وإنساني وإسلامي، لكنه يثير حفيظة الملالي،
كأن روح خلخالي تلبست كل واحد منهم، ففيه
مطالبة بالانسحاب من الجزر الإماراتية
المحتلة حتى دون ذكرها.
الدكتور
أنور قرقاش مشغول بعدو أحمق يعمل ليل نهار
في مواقع التواصل الاجتماعي ومصانع فبركة
الأخبار، وما تقوم به اجتماعات تشاورية
تدمره صفحات مشبوهة لا يدري المرء إنْ
كانت من الجيران أو من دواعش العرب.
الدكتور
قرقاش يعرف موطن الخطر فهو في كمية الأخبار
الباطلة والكاذبة في حرب الشائعات، فكأنها
ماكينة لا تتوقف إلا عند مذهب أو طائفة
أو عملاء يحركونهم كالروبوت الممسك
بالمقدس.
الدكتور
أنور قرقاش لا يخفىَ عليه عفن الصحافة
الصفراء، ولعلنا تابعنا على مدى العامين
الماضيين شائعات مفبركة عربيـًـا في
صحيفة (
المصريون)
القاهرية
والتي أطلقت أكاذيب عن الإمارات تكفي أن
يتقدم لها إبليس بالاستقالة، خاصة أحاديث
التيارات الدينية والحرب في ليبيا.
لم
ينخدع بالخطابات الجديدة للشيخ حسن نصر
الله والتي فيها نــَـفَس طائفي خاصة
عندما أيــّـدَ، وشجّع، وتعاطف الشيخ مع
الحشد الشعبي الاستئصالي في العراق.
والدكتور
أنور قرقاش لا يشتري الدغدغة العاطفية
في النضال ضد إسرائيل، فليست هناك شبهة
تعاون بين تل أبيب وأبو ظبي، والمعركة
الوهمية تنطلي على الساذجين فقط.
لا
يجامل الغرب، ولا يقوم بتبرئة القوى
الكبرى من المساهمة في صناعة الاخوان،
فمسجد ميونيخ كان بداية تأسيس الجماعة
أوروبيــًـا، والمركز الثقافي الإسلامي
في جنيف كان الممول الرئيس لجماعة الاخوان
المسلمين، وجمعية الإصلاح الاجتماعي في
الخليج ارتبطت بالمراكز الاسلامية في
الغرب.
كانت
ضربة الإمارات الكبرى والعبقرية في نشر
قائمة بحوالي 87
مركزًا
إسلاميا في الغرب، تخرج منه كتائب الإرهاب،
لكن الاتصالات الاخوانية المريبة بدول
عربية وإسلامية جعلت تأثير نشر وفضح
المراكز الإسلامية الممولة للإرهاب يخفت،
ويتراجع.
الدكتور
أنور قرقاش لم يتأثر بشعبية الصحفي ديفيد
هيرست، فهو صاحب كتاب (
البندقية
وغصن الزيتون )
والذي
كان الأعلى مبيعا في معرض فرانكفورت
الدولي للكتاب عام 1983.
ديفيد
هيرست بانحيازه الاخواني في مواجهة دولة
الإمارات فقــَـدَ حياده المعروف عنه،
وكشف تراجعه عن مباديء ثابتة كان قد
اعتنقها بخصوص المقاومة الفلسطينية منذ
أربعة عقود.
والدكتور
قرقاش يرفض تماما الأخّونة الجديدة
لهيرست، فالإمارات تعرف عدوها، وأنياب
التيارات الإسلامية التي نهشت في دولة
لم تتأخر منذ تأسسيها عن العمل الخيري،
ولعل هذا يُذكرني بالنرويجي الذي اعتنق
الإسلام على الطريقة الإيرانية، وأنشأ
مركزًا إسلاميا، وصب جمَّ شكوكه في دول
الخليج، وعندما احتاج المالَ طلب من سفير
المملكة العربية السعودية في كوبنهاجن
الدعم المادي، والذي رفض بدوره المساهمة
في دعاية دينية إيرانية.
الدكتور
قرقاش في حرب تحرير اليمن من صالح/الحوثي
لا يأخذ من المملكة العربية السعودية
قيادتها، ولا ينتقص من إستقلالية القرار
الإماراتي، وهذه هي الدبلوماسية الإماراتية
التي تنطلق من قرار حُرٍّ، والتزام نحو
الأشقاء.
يبقىَ
الشق الآخر من الحرب الذكية الإماراتية
ضد مراكز الإرهاب الدينية وأعني بها
الفتاوىَ الفجــّـة والمتخلفة وصانعة
الإرهاب والتمييز والطائفية.
عندما
يأتي الوقت الذي تدعو فيه الإمارات بشجاعة
قياداتها إلى مؤتمر موسع لتنقيح وتنقية
وفرز الفتاوىَ الدينية التي أعاقت الأمة،
وأخرجت من العنعنة في تاريخنا الطويلة
التشدد والتعصب والكراهية، فنهل منها كل
تيار ديني ما يناسب تخلفه الفكري والعقيدي،
فإنَّ العالم الإسلامي برمته سيتغير،
والإمارات قادرة على تهيئة كل الظروف
المناسبة لمؤتمر حذْف فتاوىَ التخلف
المسيئة لديننا الحنيف.
تحية
للدكتور أنور قرقاش، منارة الاستنارة في
الدبلوماسية العربية والإسلامية.
محمد
عبد المجيد
رئيس
تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو
في 23
فبراير
2017
Taeralshmal@gmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق