الخميس، 6 أكتوبر 2016

الشيخ عبد الله بن زايد.. النضوج المضاعــَــف!


كنا نظن منذ ربع قرن أو يزيد بأنَّ الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان هو الابن المدلل للمؤسس الأكبر، طيب اللهُ ثراه، ومع أشقاء كبار ومحنـَّـكين في الحُكم والسياسة ومعرفتهم بقضايا وهموم الدولة الإتحادية فإنه يحتاج إلى مضاعفة عُمره ليلحق بزمن سابقه .. فسبقه!


لكن نظرة الشيخ زايد لم تكون أبوية فقط إنما كانت رؤية تنبؤية لمستقبل لا ينتظر الشيخ عبد الله ليلحق به، ولكن الابن هو الذي سيلهث خلف، بجوار .. أعني أمام الزمن.
في الثالثة والعشرين من عُمره أصبح وكيلا لوزارة الثقافة والإعلام في عهد الراحل الوزير خلفان الرومي، وبعد عامين جاء تعيينه وزيرا للثقافة والإعلام من سمو الشيخ زايد نفسه، فالمؤسس الأكبر ليس فقط خبيرًا بالتربة والزراعة والتطور والسلام، لكنه، تغمده الله بواسع رحمته، خبيرٌ بالتربة الإنسانية، وكان يستشرف مستقبل الشيخ عبد الله كأنه يراه رؤي العين حتى بعد رحيل الأب.


في غضون أعوام قليلة وقبل بلوغه الثلاثين من العُمر كان الشاب المتسابق علما وثقافة ولغة قد ألقىَ نظرة وداع على الفكرة الخاطئة بأنه الابن المدلل، بحُكم عاطفة الأبوة الشديدة التي ربطت والده به، رغم أن الشيخ زايد لا يُفرّق بين أحد من أبنائه.
تسع سنوات من الثراء المعرفي والخبرات قبل الانتقال إلى سياسة الدولة الخارجية. لغة انجليزية مهندمة ومنسقة وسليمة، استمعت إليها مرة في العيد الوطني النرويجي حيث انبهر النرويجيون بضيفهم الإماراتي الذي جاء ليشاركهم فرحتهم، فكان فرحهم به أكبر.


وانبهر به اللبنانيون وهم يشاهدونه ممثلا لدولة الإمارات في مشروع نزع الألغام بتغطية مالية كاملة، فبدا كأنه أنقذ أبرياء كانت تنتظرهم ألغام الغدر على أرضهم.
ألقى كلمة الإمارات في الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس الأم المتحدة، وكان مُشَرّفــًــا ومُشـْـرقــًـا، لغة وشرحا وإيضاحا، تماما كما فعل منذ عدة أسابيع فوقف يقرأ وإذا به يرتجل بسلاسة وثبات فاللغة قوته، وإذا شرح جذب الآذان إليه والعيون عليه.


عندما اشتعل الإعلام بشائعات طرد إعلاميين وكــُــتــّــاب، كان الشيخ عبد الله في موقف ظنه الكثيرون لا يُحســَـد عليه، لكنه وقف بشجاعة الفرسان ليتحدى في جلسة المجلس الأعلى للإعلام أي كاتب أو إعلامي أن يثبت صحة ظلم الوزير له، فبُهت الجميع.
قاريء نهم، ومضيف كريم للمثقفين والكُتّاب والروائيين الذين تدهشهم إحاطته بأعمالهم الأدبية والروائية والقصصية، كما فعل مع أمين معلوف وفاطمة ناعوت.


تسع سنوات وزيرا للإعلام والثقافة أثبتت أنه الأصلح لوزارة الخارجية فصدر قرار سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بتعيينه وزيراً للخارجية في فبراير عام 2006.
عقد كامل ظهر الشيخ عبد الله بن زايد كأنه استجاب لوالده، المغفور له بإذن الله تعالىَ، وجعل رؤيته بأثر رجعي تنبوءًا لمستقبل مبدع يكبر فيه الابن الأصغر عامين في كل عام، وعقدين في كل منصب يتولاه.


ولأنه قاريء ومتابع للروائيين العرب والغربيين، ومنفتح على العالم، ومُطــِّــل علىَ معظم الثقافات، فلم يهفو قلبه أو فؤاده أو عقله لأي تجمع ديني مخادع، خاصة الأِخوان، فالرجل لا يدخل لعبة المزايدة، ولا يُشهــِـد السماء زوراً على مكاشفاته، ولا ينحاز للمنحازين لتيارات متطرفة.
الشيخ عبد الله بن زايد لا يتأثر بأباطيل الصحافة، ولا يخضع لابتزاز، ولا يتفاوض مع إعلاميي الأخبار المفبركة، ولم يرسل من يخفف من لهجة صحيفة ( المصريون ) القاهرية، وهي العدو الأول والخصم الأقبح في فبركة أكاذيب عن دولة الإمارات العربية المتحدة.


الشيخ عبد الله بن زايد عاشق لفلسطين، وناصح للقيادة فيها، ويكره القتل باسم المقاومة، ويبغض العنف باسم السماء، ولا يتعاطف مع بندقية يختبيء فيها مصحف، ولم يخش يوماً خطــَـراً على حياته.
مبروك لروح الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فرؤيته كانت وحياً بدون رسالة سماوية، وذكاءً جعلت الأصغر يكبر بزمن يقيسه الأب محبة وتعليما وتربية، وتقوم روحه بزيارته بين الفينة والأخرى ربما للبركة أو للحماية أو.. لتحمل له عبق ومسك وذكرى الوالد.


محمد عبد المجيد
طائر الشمال
النرويج في السادس من أكتوبر 2016


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق