السبت، 7 نوفمبر 2015

السلاح أيضا له قلب!




السلاح أيضا له قلب!
إذا أطلقنا على النهضة الإماراتية اسما واحداً فسيكون ( عبقرية الأفكار ) فالقيادة في الإمارات مثل صائد الصقور لا يــُــصوِّب إلا للصيد الثمين، فالأفكار تطير، وتختفي، وبعضها يعود لكنه لا يجد صياداً ماهراً أو مكترثاً أو..  فارساً يحل محله.
أنتَ لا تحتاج إلى أكاديمية عسكرية في كل معاركك، فالساحة الحقيقية تبدأ في العقل، والإمارات دخلت حرباً وهي مسلحة بمساحة هائلة تستوعب كل الأفكار، وتقوم بتصفية أهمها، جعلها تنخرط في هموم الوطن العسكرية والمدنية والتعليمية والنهضوية.
وجاءت عبقرية الجيشين، الخارج والداخل، المغادر والعائد، المحارب والذي جاء ليلتقط الأنفاس.

لم أرَ فكراً من قبل يضع قلباً في السلاح، ثم ينبض القلب ويعود صاحبه ليستريح في أحضان عائلة تفتخر به، وتمده بالروح من جديد، وتأتي الأم ليرتمي الجندي العائد على صدرها، ويحتضنه الأب، ويلمسه الأشقاء، ويمشي على تراب الوطن بعدما تعفــَّــر  حذاؤه بتراب الصحراء وساحات القتال.
يعود الجندي الإماراتي ليحل محله أخوه أو صديقه أو ابن بلده، فيحكي العائد عن الوطن والثمن والدماء والانتصارات والفخر والعــَــلــَــم والتلاحم، ويهمس في أذن المغادر بإنها ليست رحلة مدرسة أو نزهة بيكنيك، إنما هو واجب يدفعانه مناصفة، ونداء أرضي بصدىَ سماوي. يسقط الأول شهيداً ويصعد إلى بارئـه، ويتمنى الثاني مصيَر الأول. أو يعود الأول فينفخ الروحَ في الثاني ويعيش الوطن.

راقت لي كثيرا فكرة المقاسمة والمناصفة فمن حق كل أم أن تزغرد لابنها الجندي في حله وترحاله، في يونيفورمه المميــَّـز، وفي جلبابه الواسع المريح وهو يشم رائحة طعام أعدته له ست الحبايب.
هو واجب على الجندي،لكنه حق له أن يحل محل ابن بلده لعل النصر أو الشهادة ينالها أحدهما.
كان المشهد مؤثرا للغاية فالذي يراه في منتصفه لا يعرف إن كان الشيخ محمد بن راشد والشيخ محمد بن زايد يصافحان المسافرين إلى الجبهة أو العائدين منها، فتعبيرات وجهي القائدين تتماثلان فيلتقط الشعب الرسالة واضحة: لا فضل لجندي على آخر، ورائحة الشهادة في الساحة أو في الدار واحدة، وقبض الروح يحدده المولى عز وجل، وكل جندي يحمل سلاحه يمزج السفر والعودة كأنهما توأمان.

كل أكاديميات الجيوش تستطيع أن تصنع أمهر الجنود وأشرسها وأقواها وأكثرها كفاءة، وتضع الرصاصة في القلب، لكن أكاديمية القيادة الرشيدة في الإمارات هي التي تضع بين ألفينة والأخرى القلب مكان الرصاصة، فتجعل الحرب دفاعا عن الوطن ولو خارج الحدود، والسلام على قعقعة السلاح.
الجيش جيشان لتوحيد مشاعر الجنود، فقدَرُك هنا هو قدرك هناك، وقد يكون الارهاق نال من الجندي في ساحة المعركة، أو اشتاق شوقا لنسمة هواء أو صوت أمه أو نداء أبيه أو بكاء أخته الصغرى، فيستبدل موقعا بموقع، الداخل بالخارج.
في هذه الحالة لو أرسلته القيادة العسكرية الرشيدة في الإمارت عدة مرات في زمن الحرب، فقد أبقته عدة مرات يتلقى دَفعة السلام في الوطن استعداد للعودة أو البقاء.

عندما يصافح الشيخ محمد بن راشد والشيخ محمد بن زايد كل جندي، ويربت على كتفه كأنه يضاعف قدرته على حمل السلاح أو يخفف عن كتفه ثقل السلاح فالأمر هنا يحتاج لوقفة احترام وتأييد وتفهم لإنسانية القائد.
الجيش جيشان هو ملخص الفكر الإماراتي الحديث، وكما قلنا من قبل فلم تكن الإمارات تحتاج إلى دخول حروب كبيرة وضخمة ولعقود طويلة، العبقرية تكمن في القفز فوق  الزمن، أو اختصاره، فمن يبدأ من الصفر يصل متأخراً.

الجيش جيشان، وساحة الحرب في الداخل ولو لم يقترب منها سلاح، وساحة الحرب في الخارج لأن صلابة الجبهة في الداخل هي أم الانتصارات.
يبدو المشهد بأن القائدين كانا على وشك معانقة كل جندي ولا أبالغ إذا قلت بأن الجندي في بلد آخر يتمنى تقبيل يد القائد، وفي المشهد الإماراتي يكاد القائد ينحني، ويقبــِّـل يدَ الجندي وجبهته ووجنتيـــه و .. سلاحــَــه!
لعلي أجبت على سؤال يطرحه الكثيرون: لماذا يحب الإمارتيون قيادتــَـهم الرشيدة؟

محمد عبد المجيد
عضو إتحاد الصحفيين النرويجيين
رئيس تحرير طائر الشمال
أوسلو في 7 نوفمبر 2015 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق